الخميس, أكتوبر 8
الخميس, أكتوبر 8

بين أزقة مدينة الخارجة القديمة، حيث البيوت التي تحمل ملامح العمارة الواحاتية وتفاصيل حياة امتدت عبر أجيال، وجد الفنان عيد مسلم إبراهيم أحمد مادته الأولى ومصدر إلهامه؛ فالطين بالنسبة إليه لم يكن مجرد مادة للبناء، بل تحول بين يديه إلى وسيلة تحفظ ملامح الإنسان الواحاتي وعاداته وتقاليده، وتعيد تقديم التراث الشعبي في منحوتات وجداريات تحكي جانبًا من ذاكرة الوادي الجديد.

وينتمي عيد مسلم إلى منطقة «زقاق حجاج»، إحدى المناطق الشعبية القديمة في واحة الخارجة، وولد في الأول من ديسمبر 1976، وفضّل الاستمرار في البيئة القديمة التي نشأ فيها، معتبرًا تفاصيلها مصدرًا دائمًا للإلهام الفني.

نشأ مسلم وسط أسرة بسيطة تضم 5 أشقاء و3 شقيقات؛ كان والده موظفًا بجهاز تعمير الصحاري، بينما كانت والدته، بحسب روايته، صاحبة التأثير الأكبر في تشجيعه على الاستمرار وتنمية موهبته.

وحصل الفنان الواحاتي على دبلوم الزراعة عام 1994، وهو العام نفسه الذي شهد نقطة التحول الأولى في رحلته مع الفن.

بدأت علاقة عيد مسلم بالنحت من الطين المستخدم قديمًا في بناء منازل الواحات. ويقول مسلم إن البداية جاءت عندما جمع كمية من الطين وشكّل منها نموذجًا مصغرًا لمنزل واحاتي، قبل أن ينتقل إلى المشاركة في مسابقات التميز المدرسي، مقدمًا مجسمات مستوحاة من تاريخ الواحة وتراثها.

وبعد التحاقه بقطاع الثقافة الجماهيرية في الخارجة، اتسعت تجربته، خصوصًا مع متابعته عروض الفن الشعبي ومظاهر الحياة التقليدية، ليبدأ نحت شخصيات من قلب المجتمع الواحاتي؛ من المزارع حامل «الطورية»، وهي التسمية المحلية للفأس، إلى مشاهد حصاد البلح وربات البيوت وغيرها من التفاصيل اليومية.

وأطلق مسلم على الصلصال لقب «الست المطاوعة»، في إشارة إلى مرونته وسهولة تشكيله، واستعان به في صناعة تماثيل وجداريات تناولت تاريخ الواحات ومقوماتها السياحية، وبينها الصحراء البيضاء بالفرافرة.

كما نفذ متحفًا للتراث داخل مدرسة نجيب محفوظ الثانوية للبنات بمدينة الخارجة، عرض من خلاله جوانب من تاريخ الواحات وعادات سكانها.

لا تبدأ صناعة القطعة الفنية داخل المرسم، وإنما من الصحراء نفسها؛ إذ يعتمد مسلم على «الطفلة الواحاتية» المنتشرة في مناطق مختلفة تمتد من الفرافرة إلى باريس بالوادي الجديد، وتظهر بألوان متعددة، بينها الأبيض والأصفر والأحمر والأخضر المائل إلى الأزرق.

وبحسب مسلم، يجمع الطفلة في جوالات قبل نقلها إلى الخارجة، لتبدأ مراحل تجهيزها بوضعها داخل أحواض مياه لمدة قد تصل إلى أسبوع، ثم سحب المياه ونقل المادة إلى حوض آخر، قبل مرحلة التجفيف حتى تصبح كتلة متماسكة قابلة للتشكيل.

بعدها تبدأ عملية النحت والتشكيل، ثم تدخل القطعة إلى فرن تتراوح حرارته بين 750 و1200 درجة مئوية، لتصل إلى ما يعرف فنيًا بمرحلة «الطين البسكويت»، ويتحول لونها إلى درجة قريبة من الأحمر الطوبي أو السيموني.

وأوضح مسلم أن هذه المراحل كانت تُنفذ داخل وحدة الخزف والفخار جنوب مدينة الخارجة التابعة لقطاع الثقافة.

ومن بين أشهر الحكايات التي ألهمت عيد مسلم، قصة تمثال «عم حمدي شيال الهموم».

ويروي مسلم أنه شاهد رجلًا مسنًا في أحد شوارع الخارجة يحمل جوالًا من الأسمنت فوق كتفه، لكنه توقف فترة طويلة دون أن يضعه أرضًا. وعندما سأله عن سبب وقوفه، أجابه الرجل بأنه غارق في همومه إلى درجة أنسته الحمل فوق كتفه.

تحولت الجملة إلى فكرة فنية، واستغرق مسلم 7 أيام في صناعة التمثال من الصلصال الواحاتي، قبل معالجته بالأكاسيد للوصول إلى لون نحاسي يمنح القطعة مظهرًا قريبًا من المعدن.

لم يكن العمل بالنسبة إليه تصويرًا لرجل يحمل جوالًا فحسب، وإنما محاولة لتجسيد الأعباء النفسية التي قد تصبح أثقل من الأحمال المادية.

وفي عمل آخر حمل اسم «الودني»، استخدم مسلم النحت لتوجيه نقد لسلوك اجتماعي؛ إذ يجسد التمثال شخصًا يستمع إلى ناقلي الكلام دون تحقق، ثم يبني أفعاله وردود أفعاله على ما يسمعه.

وصوّر الفنان ناقل الكلام في هيئة ثعبان يبث السم في أذن الشخصية الرئيسية، بينما يمسك المستمع بعصا يوجه بها الأذى للآخرين، في رسالة تحذر من الانسياق وراء الشائعات ونقل الكلام دون تفكير.

ومع تطور تجربته، انتقل عيد مسلم من النشاط المحلي إلى المشاركة في معارض وملتقيات داخل مصر وخارجها. وبحسب روايته شارك 7 مرات في فعاليات مرتبطة بالسفارة الإيطالية بالقاهرة خلال الفترة من 2008 إلى 2014، إلى جانب معارض بقاعة المؤتمرات بمدينة نصر وملتقى دولي للفخار بمشاركة فنانين من تونس والبرازيل وألمانيا وإيطاليا وعدد من الدول العربية.

كما شارك في ملتقى «حكاية نخلة»، الذي اعتمد على نحت أخشاب النخيل، لتظل خامات البيئة الواحاتية حاضرة في تجربته الفنية.

لكن الرحلة لم تخلُ من لحظات قاسية. ففي عام 2009، وبعد مشاركة وصفها مسلم بالناجحة في معرض روسي وبيع عدد من أعماله، تعرضت مجموعة من منحوتاته للكسر أثناء نقلها داخل صناديق كرتونية.

ووصف الفنان رؤيته للأعمال المحطمة بأنها واحدة من أصعب لحظات مسيرته، حتى أطلق على تلك التجربة اسم «انهيار».

وفي المقابل، ظلت أسرته أحد مصادر الدعم الرئيسية.

ويقول مسلم إن والدته كانت الداعم الأول لموهبته، بينما تغير موقف والده تدريجيًا من التحفظ على صناعة التماثيل إلى مساندته، حتى إنه أصبح يجلب له قطع الطفلة المناسبة للتشكيل عندما يعثر عليها في الحقول.

ويذكر مسلم بين أصحاب التأثير في تجربته الفنان والمخرج الواحاتي فايز برجاس، إلى جانب أنور رشوان وأحمد وهبة ومحمد أبو زيد والفنان مبروك إسماعيل.

ولم تتوقف تجربة مسلم عند النحت؛ إذ اتجه إلى تدريب فرق الهواة وتقديم تابلوهات فلكلورية مستوحاة من البيئة المحلية، وشارك في مسابقات شبابية على مستوى الجمهورية.

وفي سبتمبر 2019، شاركت فرقة الهواة للفنون الشعبية التابعة لمركز شباب الخارجة، بقيادته، في التصفيات النهائية لمهرجان «إبداع 2»، ممثلة محافظة الوادي الجديد بعروض مستوحاة من النوبة والصحراء ودورة الحياة في الواحات.

واستمرت تجربته خلال السنوات التالية؛ إذ وثقت الهيئة العامة لقصور الثقافة مشاركته في تدريب ورش التلوين على الفخار والأداء الحركي، إلى جانب تصميم وإخراج عروض فنية وأوبريتات للأطفال.

وامتد هذا النشاط إلى عام 2026، حيث ظهر اسمه مدربًا ومصممًا لعروض فنية في فعاليات ثقافية بالوادي الجديد، بما يعكس استمرار تجربته بعد سنوات من بداية علاقته بالطين.

وبين قطعة صلصال جمعها من الصحراء وتمثال يحمل حكاية إنسانية وعرض فلكلوري يؤديه أطفال الواحة، تبدو تجربة عيد مسلم محاولة طويلة لحفظ ذاكرة المكان؛ فبالنسبة إليه لا يعيش التراث داخل الكتب وحدها، بل يمكن أن يبقى حاضرًا في تمثال وقطعة فخار ورقصة شعبية تتناقلها الأجيال.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version