الأحد, أكتوبر 11
الأحد, أكتوبر 11












محمد جمعة












في الحروب المعاصرة، لم تعد المواجهات تُقاس فقط بما يجري على خطوط التماس العسكرية، بل بقدرة الأطراف المتصارعة على التأثير في البنية التحتية الحيوية والرموز السيادية للدول. من هذا المنظور، لم تعد الهجمات التي يشنها الحوثيون على المطارات السعودية تُقرأ باعتبارها مجرد عمليات عسكرية مرتبطة بمجريات الحرب اليمنية، وإنما باتت تعكس تحولًا أوسع في طبيعة الصراع وأدواته. فمع تعقد البيئة الإقليمية وتراجع فرص الحسم العسكري التقليدي، اتجهت الجماعة إلى استهداف منشآت حيوية ذات قيمة سيادية واقتصادية ورمزية، في محاولة لتعظيم تأثيرها السياسي والإعلامي.

يأتي استهداف المطارات في مقدمة هذه الاستراتيجية نظرًا لما تمثله من رمزية سيادية تعكس قدرة الدولة على تأمين المجال الجوي وحركة النقل. ولذلك، فإن الأهمية الحقيقية لهذه الهجمات لا تكمن فقط في حجم الأضرار التي قد تنجم عنها، بل في الرسائل التي تسعى الجماعة إلى توجيهها إلى الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالصراع، خاصة مع ما يحظى به أمن الطيران المدني من حساسية دولية كبيرة، ما يمنح هذه الهجمات صدىً إعلاميًا دوليًا يتجاوز حدود الصراع اليمني.

في جانب مهم من هذه الرسائل، يسعى الحوثيون إلى نقل تداعيات الحرب إلى العمق السعودي، بما يرفع الكلفة الأمنية والسياسية والاقتصادية للمواجهة ويعزز أوراق الجماعة في أي ترتيبات أو مسارات تفاوضية مستقبلية. كما تعكس هذه العمليات سعي الحوثيين إلى إبراز تطور قدراتهم العسكرية، لا سيما في مجال الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى. فاستهداف منشآت حيوية خارج الأراضي اليمنية يمنح الجماعة فرصة لإظهار قدرتها على بلوغ أهداف استراتيجية حساسة، بما يعزز صورتها كفاعل يمتلك أدوات ضغط تتجاوز حدود الجبهة اليمنية.

من زاوية أخرى، غالبًا ما يرتبط تصاعد الهجمات العابرة للحدود بفترات تواجه فيها جماعة الحوثي تحديات عسكرية، إذ تستخدم هذه العمليات لتعويض ضغوط الميدان المباشرة داخل اليمن، وإعادة تشكيل موازين القوة وإثبات قدرتها على المبادرة والتأثير. كما لا يمكن عزل هذا النمط من التصعيد عن التفاعلات الإقليمية الأوسع… فالجماعة تعمل ضمن بيئة إقليمية شديدة التشابك، ما يجعل بعض عملياتها العسكرية، على الأقل، متداخلة مع الأجندة الإيرانية وحسابات النفوذ والصراع الدائر في المنطقة. ومن ثم، فإن استهداف المطارات السعودية يحمل أبعادًا تتجاوز الحسابات اليمنية الداخلية ليصبح جزءًا من رسائل استراتيجية موجهة إلى أطراف إقليمية ودولية متعددة.

من زاوية ثالثة، تكتسب المطارات أهمية خاصة تتجاوز البعد الرمزي. فاستهدافها أو حتى تهديدها ينعكس على حركة السفر، ويرفع تكاليف التشغيل والتأمين، ويؤثر في قطاعات اقتصادية حيوية مرتبطة بالنقل والسياحة والاستثمار. وفي الوقت ذاته، توفر هذه العمليات فرصة لاختبار كفاءة أنظمة الإنذار والدفاع الجوي السعودي ومدى قدرتها على التعامل مع التهديدات غير التقليدية، خاصة في ظل التوسع المتزايد في استخدام الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة وعالية المرونة التشغيلية.

في المحصلة، تكشف الهجمات الحوثية على المطارات السعودية عن انتقال تدريجي من منطق المواجهة العسكرية المباشرة إلى استراتيجية استنزاف تستهدف البنية التحتية الحيوية والرموز السيادية. فالجماعة لا تسعى فقط إلى تحقيق أثر أمني أو عسكري محدود، بل إلى توظيف هذه الهجمات كأداة ضغط سياسية واستراتيجية تؤثر في حسابات خصومها وتوازنات الإقليم. وبقدر ما تعكس هذه الهجمات تطورًا في أدوات الصراع، فإنها تؤشر أيضًا إلى أن المنافسة على النفوذ في المنطقة ستظل تدفع الأطراف الفاعلة إلى توظيف وسائل ضغط غير تقليدية تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.







جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع










































شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version