«إذا كان الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يضحك، فهو كذلك الكائن الوحيد الذي يشتم، وإذا كان الكائن الوحيد الذي يشتم فهو الكائن الوحيد الذي يحبُّ الإهانات».
بهذا الرأي الصادم، يتناول الباحث السعودي علي الشدوي قضية «السافل والمضحك في الثقافة العربية» (منشورات حياة، 2025)، الذي يكشف عن منطقة مهمَّشة طالما أُقصيت من البحث والدراسة: عالم الأسفل المادي والجسدي. يتتبع المؤلف حضور هذا الجانب في النصوص القديمة، ويحلل تمظهراته في الفكاهة والسخرية، بعيدًا عن الأحكام المسبقة.
يعمد الكاتب إلى تشريح الثقافة العربية وتقسيمها إلى قسمين، وبذلك يكون للثقافة جسد تمامًا كجسد الإنسان. يمثل القسم الأعلى الثقافة الرسمية، وهي ثقافة جادة وحازمة وترتبط بالسلطة السياسية والدينية.
في المقابل، تشكِّل ثقافة الهامش القسم السفلي من الثقافة، وهو ما يُعبِّر عنها الكاتب بالسافل، وهو ليس تعبيرًا أخلاقيًّا بقدر ما هو تعبير اجتماعي وثقافي عن نمط معارض للثقافة السائدة يخرج من قاع المجتمع ومن الفئة المهمة، معتمدًا على إعادة ابتكار المفاهيم بشكل هزلي، وينتهك الأعراف الثقافية في قداسة العقل الجاد بالانتصار للحياة والفرح والشبق، مؤكدًا أن الغرائز جزء لا يتجزأ من هذه الثقافة.
ركزت ثقافة الهامش على ما هو مادي وجسدي وجعلت من الهزل أسلوبًا لها، وهذا ما جعلها منبوذة ولم تأخذ حقها في الدراسات، كما مورست عليها سلطة الحذف والتعديل عبر الزمن نتيجة ما تحمله من مفردات توظف الجانب الجنسي تصريحًا وتلميحًا.
يُنبّه الشدوي إلى أن تحليله العلاقة بين الأسفل المادي والجسدي والضحك ليس إلا تحليلًا أوليًّا؛ بمعنى أنه التحليل الذي يفتح الباب وليس تفسيرًا، كما أنه تحليلٌ لا يحصر العلاقة بين الأسفل المادي والجسدي في معنىً معين، ثم إن الضحك لا يكتسب دلالته إلا عندما يندمج في الحياة.
من هذا المنظور يمكن أن نفهم اقتراح عيسى بن هشام أن يتشاتم أبو الفتح الإسكندري مع متسولٍ آخر، ومن يغلب يفوز بدينار. ولئن لم يكن في الثقافة العربية أسهل من المدح، فلا شيء أصعب من الشتم. ويمكن للتواقين إلى معرفة الحد الأقصى الذي يمكن أن تصل إليه الشتائم أن يطالعوا المقامة الدينارية. ما يجب أن يبقى مذهلًا للقارئ هو الحب الاستثنائي الذي يُبديه أبو الفتح الإسكندري والمتسول الآخر لكلمات الشتم؛ يجمعانها ويدللانها، لكنهما لا يحتفظان بها، بل هما مستعدان لصبها على الآخر بحماسةٍ وكميةٍ هائلة. يشعر قارئ المقامة بتلمُّس المتشاتمين الكلمات كما لو كانا في ظلامٍ دامس، مستخدمين أقسى كلمات معجم الشتائم، صبَّ أحدهما على الآخر عشرات الشتائم حتى إن عيسى بن هشام لم يستطع أن يؤثر أحدهما بالدينار، فترك الدينار مشاعًا بينهما، وغادر المكان من دون أن يعرف نتيجة اللعبة؛ لأن شتائمهما من «بديع الكلام، عجيب المقام، ألد الخصام».
في كتابه الذي لا يتجاوز عدد صفحاته 105 صفحات، يعالج الشدوي موضوع الضحك في الثقافة العربية، ففي الوقت الذي كانت القرون الأولى تفرز ما هو جاد وما هو مضحك معتمدة على الطبيعة الإنسانية، تحوَّل المضحك في القرون المتأخرة إلى منبوذ ثقافي يترفع عنه المثقفون ويتحوَّل إلى هامش لا يُلتفت له.
يثير الكتاب رؤية تحليلية ترتكز على مقامات بديع الدين الهمذاني وألف ليلة وليلة في أسلوبهما الأدبي وكيف نظر لهما الأدباء في عصرين متفاوتين في جدلية لا يمكن حسمها، ولكنها تضيء بعض الرؤى كما تحتاج إلى إعادة نظر في ثقافتنا العربية المختزنة بالكثير مما لم يُكشف عنه.
يقول الشدوي إنه يمكن أن ننظر إلى الأسلوب اللغوي على أنه القبو النفسي للمجتمع. ولكي نفهم المقصود سنعود إلى المعاصرين لمقامات بديع الزمان الهمذاني، ولنشأة ألف ليلة وليلة؛ فكيفية تفكير المعاصرين أو الأقرب إلى أن يكونوا معاصرين في عملٍ أدبي معين واستجابتهم له ونظرتهم إليه تشكِّل ركيزة أساسية لا واعية للواقع. يمكن للعمل الأدبي الذي يتخذ فكرة، أو ظاهرة معينة، أو أسلوبًا معينًا، أن يعرفنا رؤية جماعة من الناس، وربما أكثر من ذلك؛ أي رؤية المجتمع كله في مرحلة تاريخية معينة إذا ما انتبهنا إلى استجابات الناس المميزة للعمل الأدبي، والمعبِّرة عنهم. فاستجابات المتلقين، حتى لو من جهة سلبية، كما هي الحال تاريخيًّا مع حكايات ألف ليلة، ليست استجابة بلا قيمة، فهي تعطينا صورة عن أفكار الناس ومواقفهم.
يضيف المؤلف: سنستعين باستجابة كاتبٍ معاصِر لبديع الزمان هو أبو حيان التوحيدي لحكايات ألف ليلة وليلة. يقول التوحيدي: «ولفرط الحاجة إلى الحديث وُضع فيه الباطل، وخُلط بالمحال، ووُصل بما يُعجب ويُضحك ولا يؤول إلى تحصيل مثل هزار أفستان وكل ما دخل في جنسه ضروب الخرافات». بالنسبة إلى أبي حيان التوحيدي فحكايات ألف ليلة وليلة ليست أكثر من حاجة إلى الكلام، لكن الحاجة هنا ليست بمعنى الضرورة التي تفرضها الحاجة إلى الكلام الجاد فيكون حقًّا وعقلانيًّا وجادًّا من أجل هدفٍ سامٍ، بل هو كلام فائض وغير ضروري. لذلك فقد تضمَّن كل ما لا يكون في الأسلوب السامي والجاد والرسمي كالباطل واللاعقلاني والهزل، وما لا عهد لأحد به، وهذه تقريبًا هي بعض سِمات الأسلوب الهزلي كما ندرسه هنا.
لا يعترف أبو حيان التوحيدي بأن الواقع يمكن أن يُخرج الحديث والمتحدِّث عن رزانتهما وجزالتهما وصدقهما، ولا أن هناك لذة في سرد السيئ والقذر لا بوصفهما كذلك، بل لأن ما يفرِّق بين الرائع والمضحك سوى خطوة واحدة. ولأن ما هو إنساني ليس بغريبٍ عن الإنسان. ولا يعترف التوحيدي بأن هناك لذة في الكلام عن أسوأ الأفعال التي ارتكبها الإنسان في حياته، ومتعة في أن يروي أعماله القذرة. ولا يتصور أن الناس يستمعون إلى المتكلِّم المضحك أكثر من المتكلم الذي له قيمته ومزاياه. في مقابل هذا الأسلوب الهزلي وغير الرسمي والوضيع الذي وصفه أبو حيان التوحيدي يوجد الأسلوب السامي والجاد والرسمي الذي وصفه الوزير ابن سعدان؛ فهذا الأسلوب «يأتي من خطرات العقل، وقد خُدم بالصواب في نغمة ناغمة، وحروف متقادمة، ولفظ عذب، ومأخذ سهل، ومعرفة بالوصل والفصل، ووفاء بالنثر والسجع، وتباعد من التكلف الجافي، وتقارب في التلطف الخافي». بالنسبة إلى الوزير، فالأسلوب السامي يعتمد على العقل، ويُخدم بالحقيقة، وتتلبسه البلاغة البعيدة عن التكلف، وتراعي شروط الكلام الجاد.
يمكن أن نفسِّر وجود هذين الأسلوبين؛ أي الأسلوب الجاد والسامي والرسمي والأسلوب الهزلي والوضيع، بالرجوع إلى الأصول الاجتماعية والثقافية للحديث والمتحدثين؛ فالأسلوب السامي يلائم نظامًا مطلقًا، يعمل فيه المتحدث حسابًا لمن هو في قمة السلطة أو قريب منها. في مقابل هذا الأسلوب يكون الأسلوب الوضيع ملائمًا للعامة. لقد نتج هذان الأسلوبان عن تصوُّر الطبقة العليا والطبقة الدنيا لطبيعة المجتمع؛ فالتحليل التاريخي لتصور الطبقتين يجد منبعه في الشكليات التي تُراعى في الطبقة العليا دون الطبقة الدنيا، وفي الطابع النمطي الذي يتحكم في حديث الطبقة العليا، في مقابل الطابع المرن في الطبقة الدنيا.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع


