الأربعاء, أكتوبر 14
الأربعاء, أكتوبر 14

تحت شمس أسوان الحارقة، وعلى متن شاحنة نصف نقل محملة بالتراب وأحلام الثراء السريع، كان الشاب “حاتم” ورفاقه يشقون طريقهم عبر دروب جبلية وعرة في عمق الصحراء الشرقية. لم تكن هذه الرحلة سوى حلقة جديدة في مسلسل البحث عن خيوط الذهب الخفية، مستخدمين أجهزة بدائية للتنقيب تعتمد على الحدس والتخمين أكثر من علم الجيولوجيا.

في تلك اللحظات، لم يكن “حاتم” ورفاقه يدركون أن المغامرة التي تخفي طموحات الخروج من ضيق العيش ستصطدم بواقع أمني صارم. فجأة، ومن حيث لا يدرون، أطبقت عليهم دورية أمنية في كمين محكم وسط الجبال، ليتحول حلم العثور على عروق الذهب في لمح البصر إلى كابوس، وتنتهي الرحلة بقبضة القانون التي لا تترك مساحة للعبث بثروات الوطن.

ليجد “حاتم” ورفاقه أنفسهم ضمن نحو 450 شخصاً شملتهم أحكام قضائية صدرت في يوليو 2026 بالحبس لمدة عام، لتورطهم في عمليات تنقيب غير مشروع عن الذهب داخل المناطق الجبلية والصحراوية بجنوب البحر الأحمر، والتواجد في مناطق محظور التواجد فيها بالمخالفة الصريحة للقانون.

يُجرّم قانون التعدين المصري التنقيب غير الشرعي، ويعاقب المخالفين بالحبس مدة لا تقل عن سنة، وغرامة تصل إلى 5 ملايين جنيه.

رغم الإجراءات الحازمة التي تفرضها الدولة للتصدي للتنقيب العشوائي، لا تزال دروب الجبال والصخور تحتضن مغامرين يلهثون خلف حلم الخروج من دائرة الفقر، في رحلة تحبس الأنفاس بين بارقة الأمل وكابوس الموت عطشاً أو تحت وطأة الصراعات المسلحة.

أهالي أسوان يروون الحكاية

من قلب الحدث، يفتح أبناء أسوان ملف التنقيب عن الذهب ليكشفوا لموقع “مصراوي” تفاصيل وخفايا هذه التجارة المحفوفة بالمخاطر.

يقول الحاج عبد المنعم أبو عشري، من أبناء مدينة دراو وأحد العاملين في المجال الرسمي منذ 14 عاماً: “التنقيب ينقسم إلى نوعين؛ رسمي مقنن، وعشوائي مدمر”.

ويوضح تجربته قائلاً إنه تقدم بأوراقه الرسمية إلى “شركة شلاتين”، حيث أُخضع لتدقيق أمني شامل للتأكد من سجله قبل منح التصريح الرسمي للتنقيب في منطقة “غزال”. ويشرف فريق من الشركة على كل خطوة، بدءاً من استخراج الصخور الحاملة للخام، مروراً بطحنها في الطواحين المرخصة بدراو، وصولاً إلى تسليم الذهب الصافي للشركة لمعايرته ودمغه وحساب قيمته بسعر السوق الرسمي، ليحصل العامل على حقه كاملاً في النور.

ويحذر أبو عشري من أن التنقيب العشوائي والأجنبي غير المرخص هو الخطر الأكبر؛ لأنه يهدر ثروات البلاد ويخلق صراعات دامية، مناشداً الجهات المعنية بتمديد صلاحية التصاريح الأمنية لتخفيف الأعباء عن العمال الجادين.

من جانبه، يؤكد الإعلامي الأسواني أشرف الحويري أن اتساع نطاق التنقيب العشوائي جلب معه ظواهر اجتماعية وسلوكيات سلبية خطيرة، أبرزها تصاعد معدلات العنف المنظم وجرائم القتل، فضلاً عن القفزة الهائلة في أسعار العقارات والخدمات التي أثقلت كاهل المواطنين البسطاء.

أرقام واحتياطيات تحت المظلة الشرعية

في المقابل، تظهر الأرقام الرسمية أن الفوضى العشوائية تهدر مقدرات خريطة جيولوجية استثنائية؛ حيث تقع غالبية مكامن الذهب في مصر ضمن “الدرع العربي النوبي”، وهو نطاق غني بالتكوينات التعدينية يمتد عبر أجزاء من شمال شرق أفريقيا وشبه الجزيرة العربية.

وتتصدر الصحراء الشرقية مشهد التعدين الرسمي عبر حزمة من المناجم ومناطق الامتياز الكبرى، يقودها منجم “السكري” بالبحر الأحمر باحتياطيات مثبتة ومرجحة تبلغ 4.72 مليون أونصة.

وتتكامل هذه الخريطة مع اكتشافات ومشاريع واعدة أبرزها: منجم “إيقات”باحتياطيات أولية تتجاوز مليون أونصة، ومشروع “أبو مروات”: باحتياطيات قابلة للاستخراج تقدر بـ 134.9 ألف أونصة ذهب و1.4 مليون أونصة فضة بتطوير من شركة “آتون ريسورسز” الكندية، ومنطقة “غرب جبل علبة” بتطوير شركة “آفاق للتعدين” التي رفعت احتياطياتها إلى 320 ألف أونصة تمهيداً للإنتاج التجاري بحلول 2030، بالإضافة لمواقع أخرى مثل مناجم “حمش”، و”البرامية”، ومناطق “حلايب وشلاتين” الخاضعة لإشراف شركة “شلاتين للثروة المعدنية”.

وتُوجت هذه الجهود بتحقيق إنتاج بلغ 554.9 ألف أونصة (نحو 17.26 طن) خلال العام المالي 2024-2025 بزيادة 15.5%، بينما تستهدف الدولة قفزة إنتاجية لتصل إلى 800 ألف أونصة سنوياً (نحو 24.9 طن) بحلول 2030.

وتعتمد هذه الخطط على إجمالي احتياطيات قومية تُقدر بـ 7.3 مليون أونصة (نحو 227 طناً)، وهو ما عزز غطاء الثروة بالبنك المركزي المصري لتصل قيمة الذهب المدمج بالاحتياطي النقدي إلى 17.46 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2026 (ما يمثل 30.4% من إجمالي الاحتياطيات الدولية).

فلسفة الأرض ونزيف العشوائية

وعلى الصعيد الفني، يوضح “م. ع” مهندس جيولوجي، لموقع “مصراوي” أن الصحراء الشرقية تضم نحو 130 موقعاً تاريخياً واستراتيجياً لاستخراج الذهب وفق بيانات سابقة صادرة عن هيئة الثروة المعدنية، مشيراً إلى أن ما يُعرف بالتنقيب العشوائي يعتمد على تتبع “الرسوبيات” وجزيئات الذهب المتناثرة بفعل السيول، وهو ما يتم بالصدفة البحتة وبأجهزة بدائية وليست علمية دقيقة.

وتشير التقديرات إلى أن البحث العشوائي يستخرج يومياً كميات تتراوح بين 30 إلى 100 جرام- على حد قول المهندس الجيولوجي- وسط انتشار لأكثر من 200 كسارة وطاحونة محلية بمختلف مدن ومراكز المحافظة.

هذه الفوضى العشوائية لم تكن بلا ثمن؛ فقد أسفرت عن مآسٍ إنسانية؛ لقي بسببها عشرات الشباب حتفهم إما عطشاً وجوعاً بعد أن ضلوا دروبهم في الجبال الشاسعة، أو سقطوا ضحايا لمشاجرات دموية ونزاعات مسلحة على السيطرة على مناطق الاستخراج.

وفي هذا السياق، شهدت محافظة البحر الأحمر في مايو 2026 واقعة مأساوية تحولت فيها رحلة تنقيب غير مشروع إلى مشاجرة مسلحة أسفرت عن مقتل 8 أشخاص وإصابة آخر بسبب نزاع بين المنقبين.

كما أعلنت وزارة الداخلية في شهر مايو أيضًا، مقتل عنصرين جنائيين شديدي الخطورة في مواجهة مسلحة مع قوات الأمن بأسوان، بعد تورطهما في فرض النفوذ والاتجار بالمخدرات والأسلحة داخل بؤر التنقيب غير المشروع عن الذهب.

حملات أمنية واسعة وإزالات حاسمة

في إطار مواجهة هذا النزيف المستمر للثروات والمهددات الأمنية، تنفذ عناصر إنفاذ القانون من القوات المسلحة والشرطة المدنية عمليات موسعة لمجابهة التعدين غير المشروع بالصحراء الشرقية، سبقتها منشورات تحذيرية لتوعية المتواجدين بمخاطر البقاء في مناطق العمليات ودعوتهم لتسليم أنفسهم.

وفي يونيو 2026، أعلن المتحدث العسكري، ضبط 223 شخصاً، منهم 87 مصرياً و136 أجنبياً، خلال عمليات تنقيب عن الذهب في حملة استهدفت “بؤراً إجرامية وشبكات تنقيب غير مشروع عن الذهب”، مع مصادرة معدات وأسلحة وسيارات ضبط رباعي، وإحالة المتهمين للجهات القضائية.

وفي السياق المحلي، شهدت محافظة أسوان، تكثيفاً لجهود إزالة الطواحين والكسارات المخالفة بمشاركة القيادات الأمنية مدعمين بقوات وتشكيلات متعددة واستخدام المعدات الثقيلة؛ حيث نجحت الحملات في إزالة 35 طاحونة وكسارة مخالفة للذهب داخل 10 مواقع بقرية “أرمنا” التابعة لقرى عنيبة فى عام 2025.

جاء هذا امتداداً لحملات سابقة نُفذت في يونيو 2022 وشملت تنفيذ 22 قراراً يضم 50 طاحونة وكسارة، وتكللت الجهود القضائية مؤخراً بإصدار أحكام مشددة بالحبس لمدة عام بحق 450 متورطاً في التنقيب غير المشروع.

رؤية استراتيجية وتشريعية لحماية الثروات

فى السياق ذاته، كشف العميد سمير راغب، رئيس المؤسسة العربية للتنمية والدراسات الاستراتيجية، في تصريحات إعلامية سابقة، أن الحملات العسكرية والأمنية تستهدف حماية الحدود المصرية وتأمين الثروات المعدنية ضد عمليات الاختراق والتهريب، مشيراً إلى صعوبة جغرافية تلك المسارات الجبلية الواسعة الممتدة على الحدود المصرية السودانية، والتي تستغلها شبكات إجرامية لنقل عمالة ومغامرين دون توفير المؤن الكافية لهم.

بدوره، أكد أسامة كمال، رئيس لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ، في تصريح إعلامي، أن مصر تضم أكثر من 230 موقعاً تاريخياً واستراتيجياً للذهب، مشيراً إلى أن الدولة بعد استقرار الأوضاع بدأت في طرح عشرات مناطق الامتياز للشركات الرسمية، حيث وصل عددها إلى 61 شركة تعمل عبر “شركة شلاتين” التي تستهدف تسليمات تصل إلى 1.5 طن للبنك المركزي بنهاية العام الجاري، مع الوصول إلى 6 أطنان سنوياً بحلول 2030، ومشدداً على ضرورة اعتماد الطرق العلمية والاقتصادية المنظمة بدلاً من العشوائية المهدرة للثروات.

اقرأ أيضا

عمدة قرية السائق المصري المقتول بالسودان: “مصر ما بتتأخرش عن ولادها

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version