الثلاثاء, يوليو 28

ليست أخطر أزمة تواجه الصحافة اليوم هي تراجع الزيارات (أزمة التوزيع) أو انخفاض الإعلانات (أزمة التمويل)، بل إنهاك الإنسان الذي يصنع الصحافة (أزمة التشغيل).
فالصحافة لا تُستنزف فقط في ميزانياتها، بل في صحفييها أيضًا. وطوال سنوات، انشغل العالم بالحديث عن أزمة توزيع الصحافة ثم أزمة تمويلها، بينما كانت الأزمة الثالثة تنمو بصمت داخل غرف الأخبار. وبأي حال، كل نموذج ربحي جديد، وكل استراتيجية للتحول الرقمي، ستفشل إذا ظلت غرف الأخبار تعمل بعقلية الأمس، وبموارد الأمس، لمواجهة تحديات تضاعفت مرات عديدة.

إن إنقاذ الصحافة يبدأ من إنقاذ الصحفي نفسه، وحل أزمة موازية لأزمة الصحافة

الاقتصادية، أقل وضوحًا وأكثر خطورة على مستقبل الصناعة، وهي: إجهاد غرف الأخبار.
فقبل 25 عامًا، كانت الصحف تغلق أبوابها في الثانية أو الثالثة عصرًا، وينتهي يوم العمل التحريري تقريبًا. أما اليوم، فلا توجد نهاية ليوم الأخبار؛ فغرفة الأخبار تعمل 24 ساعة يوميًا، و7 أيام أسبوعيًا، و365 يومًا في السنة، والصحفي الذي كان يكتب الخبر فقط، بات مطالبا بالقيام بـ7 وظائف جديدة مع وظيفته.

فيمكن النظر إلى تطور غرف الأخبار على أنه مر بموجتين من الإجهاد. الأولى فرضها الإنترنت عندما أصبحت الأخبار بلا موعد إغلاق، والثانية فرضتها المنصات والذكاء الاصطناعي عندما أصبح الصحفي مطالبًا بإنتاج المحتوى نفسه في صور متعددة ولمنصات متعددة. المشكلة ليست زيادة ساعات العمل فقط، بل تضاعف عدد المهام المطلوبة من الشخص نفسه.

إجهاد غرف الأخبار.. الموجة الأولى: لا وقت لك

في عصر المواقع، لم يعد هناك وقت للانفصال عن الأخبار والمصادر، بات كل صحفي ملزم بتغطية مصدره 24 ساعة/7أيام. انزوت حياة الصحفي الشخصية، تحت وطأة متطلبات العمل والتغيرات التقنية، والسباق المهني.

تضخمت المؤسسات، وتضاعفت أعداد صحفييها لتغطية 3 شفتات يوميا، بدلا من شفت واحد للجميع. تغيرت أدوات المهنة، وبدأت مشاكل جديدة تضاف على كاهل الصحفيين، وتشكلت صعوبات الكتابة لمحركات البحث، وأرقام القراءة اللحظية واليومية والشهرية.
كانت هذه أول موجة من “إجهاد غرف الأخبار”، تمددت الوظيفة على حساب الحياة الشخصية، وتوسعت المهنة لتشمل مهارات جديدة تقنية. بالكاد صمدت غرف أخبار، لكنها الآن تواجه الموجة الثانية من “الإجهاد” في عصر ما بعد المواقع.

إجهاد غرف الأخبار.. الموجة الثانية: الصحفي (7*1) و(1=8)

ففي الوقت الحالي (عصر ما بعد المواقع)، لا تطالب المؤسسات الصحفي بالالتصاق بمصدره 24 ساعة يوميا فقط، بل تطالبه أيضا بإنتاج مزيد من الأخبار، والنشر على الموقع، وصناعة الفيديو، وكتابة منشورات السوشيال، والتفاعل مع المنصات، ومراعاة متطلبات محركات البحث، والتكيف مع أدوات الذكاء الاصطناعي.

وفي محاولة من المؤسسات لتعويض انهيار النموذج الربحي، أصبح الصحفي مطالبًا بأداء سبعة وظائف في الوقت نفسه إلى جانب وظيفته ككاتب هي (مصور + مونتير+ مدير سوشيال+ مختص SEO + محلل بيانات + متابع للتعليقات+ مذيع فيديو).

وبينما تقلص الوقت المتاح لإنتاج الصحافة الأصلية وزادت وظائف الصحفي. لم يزد عدد الصحفيين، بل تقلص في كثير من المؤسسات تحت وطأة تغير النموذج الربحي وتقلص العوائد، وتغير التوزيع. والنتيجة أن كثيرًا من غرف الأخبار دخلت في دائرة استنزاف دائمة؛ تزداد فيها سرعة الإنتاج بينما تتراجع جودة المحتوى وقدرة المؤسسة على الابتكار والتدريب وتأهيل الكوادر. حتى أنه إذا زار أحد رواد صحافة التسعينيات غرفة أخبار من العام 2026، لن يهضم كل ما ألم بغرف الأخبار من تغييرات.

والاحتراق الوظيفي ليس تكلفة بشرية فقط، بل تكلفة اقتصادية أيضًا؛ فكل صحفي يغادر المهنة، أو تتراجع إنتاجيته بسبب الإرهاق، يعني خسارة سنوات من الخبرة، وتكاليف جديدة للتوظيف والتدريب، وانخفاضًا في جودة المنتج النهائي.

من الاحتراق الوظيفي وإجهاد غرف الأخبار لتآكل القيمة الصحفية

لم يعد تقييم الصحفي يعتمد فقط على جودة ما يكتب، بات يعيش تحت ضغط سلسلة من أدوات قياس الأداء (عدد القراءات، ونسب النقر، ومعدلات التفاعل، ومعدل الارتداد، وسرعة النشر، والسبق، والترندات).
ولم تعد المنافسة على جودة الخبر فقط، بل على سرعة نشره وتحديثه، ما جعل كثيرًا من غرف الأخبار تعيش في حالة طوارئ دائمة، حتى في الأيام الهادئة، وشكل ضغطا نفسيا جديدا لم يكن موجودًا.
وهكذا تحولت مؤشرات الأداء الرقمية إلى عنصر ضغط يومي، يدفع كثيرًا من الصحفيين إلى تفضيل ما يجذب الخوارزمية على ما يخدم القيمة الصحفية. وباتت الأزمة الاقتصادية سببًا مباشرًا في إنهاك غرفة الأخبار.

هل الذكاء الاصطناعي هو الحل؟

بشكل ما، تمنح التكنولوجيا نفسها التي تخنق صحافة عصر المواقع، طوق إنقاذ لغرف الأخبار. فربما يمثل الذكاء الاصطناعي حلًا، ليس لإنتاج مزيد من الأخبار، بل لإلغاء الأعمال الروتينية التي تسرق وقت الصحفيين وتثقل كاهل غرف الأخبار، مثل: (التفريغ- النسخ- الترجمة- التلخيص- كتابة النسخة الأولى- تجهيز السوشيال- إعداد SEO- تحليل البيانات) حتى يعود الصحفي إلى وظيفته الأساسية: التفكير والتحقيق وصناعة القيمة.

إن التحول الاقتصادي الذي تحتاجه الصحافة لن يتحقق بمجرد البحث عن مصادر دخل جديدة، بل يتطلب أيضًا إعادة تصميم غرفة الأخبار نفسها. فالذكاء الاصطناعي ينبغي أن يُستخدم أولًا لتقليل الأعمال الروتينية، وإعادة الوقت إلى الصحفي، حتى يتفرغ لإنتاج القيمة التي يمكن للمؤسسة أن تبيعها.

وأغبى ما يمكن أن تقوم به إدارة مؤسسة صحفية أن تستخدم الـAI لتقليل عدد الصحفيين وزيادة الإنتاج بصرف النظر عن الجودة، فالذكاء الاصطناعي يجب أن يعيد الوقت إلى الصحفي، لا أن يضيف إليه مهامًا جديدة أو أن ينظر إليه كبديل عن الإبداع البشري الصحفي.
والمنافسة المستقبلية لن تكون بين المؤسسات التي تنشر أكثر، بل بين المؤسسات التي تستطيع إنتاج معرفة أعمق، بثمن أقل، وبفريق أقل إنهاكًا. لكن المفارقة أن المؤسسات أصبحت تنشغل بإدارة تدفق الأخبار اليومية، أكثر من انشغالها ببناء المنتجات التي يمكن أن تنقذ اقتصادها مستقبلاً وتخلصها من أزمة إنهاك غرفة الأخبار. فلا وقت لبناء قواعد بيانات، ولا لإنتاج تقارير تحليلية معمقة، ولا لتطوير خدمات اشتراك أو منتجات معرفية، لأن غرفة الأخبار غارقة في سباق لا ينتهي مع دورة الأخبار. وتفتقد الجرأة اللازمة للهروب من “فخ عجلة الأخبار اليومية” والانتقال إلى “غرفة أخبار بطيئة وأكثر عمقاً”.
طوال عقود، كان السؤال الذي يحكم غرف الأخبار هو: كيف ننشر أسرع؟ أما السؤال الذي سيحدد بقاء الصحافة خلال العقد القادم فهو: كيف نحافظ على الصحفي الذي يصنعها؟ فالصحافة تستطيع شراء خوادم أسرع، وأدوات ذكاء اصطناعي أذكى، ومنصات نشر أحدث، لكنها لا تستطيع شراء صحفي مبدع كلما احترق آخر. وإذا كان التحول الرقمي قد غيّر أدوات الصحافة، فإن التحدي الحقيقي في العقد القادم لن يكون بناء غرف أخبار أسرع، بل بناء غرف أخبار أكثر إنسانية. فالصحافة يمكنها استبدال أي تقنية، لكنها لا تستطيع استبدال الإنسان الذي يمنح الخبر معناه.


جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version