الأربعاء, أغسطس 5

أثار قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتراجع عن تنفيذ ضربة عسكرية “واسعة” ضد إيران، وفتح الباب أمام استئناف المفاوضات، تساؤلات واسعة حول الدوافع الحقيقية لهذا التحول المُفاجئ. وبين اعتبارات أمن الملاحة في مضيق هرمز، والمخاوف من اضطراب أسواق النفط، والحسابات الانتخابية داخل الولايات المتحدة، برزت مجموعة من العوامل التي دفعت واشنطن إلى تغليب المسار الدبلوماسي على الخيار العسكري، في محاولة لتجنب حرب جديدة في الشرق الأوسط.

وبينما يربط ترامب قراره بإتاحة “فرصة أخيرة” للتوصل إلى اتفاق مع طهران، تُشير معطيات سياسية وعسكرية واقتصادية إلى أن الإدارة الأمريكية واجهت جملة من الضغوط الداخلية والخارجية دفعتها إلى إعادة حساباتها.

وتتقاطع في هذا المشهد عوامل تتعلق بأمن الملاحة في مضيق هرمز، وأسواق الطاقة العالمية، والانتخابات الأمريكية المقبلة، إضافة إلى تحركات إقليمية هدفت إلى تجنيب الشرق الأوسط مواجهة عسكرية واسعة قد تتجاوز حدود إيران وإسرائيل.

وساطات إقليمية أوقفت شبح المواجهة

أحد أبرز العوامل التي ساهمت في تهدئة الموقف تمثل في التحركات الدبلوماسية التي قادتها عدة دول إقليمية، في مقدمتها “قطر والسعودية وتركيا وباكستان”، إلى جانب “مصر”، بهدف احتواء التصعيد بين واشنطن وطهران.

ووفق تقارير إعلامية أمريكية، أسفرت هذه الاتصالات عن منح فرصة زمنية لإحياء “المسار التفاوضي”، مع التركيز على ملفات البرنامج النووي الإيراني ومستقبل الملاحة في مضيق هرمز، بدلا من الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

كما أشارت تقارير أمريكية، إلى أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، نقل خلال اتصال مع الرئيس ترامب مخاوف دول الخليج من أن يؤدي استهداف المنشآت الإيرانية إلى “ردود تطال البنية التحتية النفطية في المنطقة”، بما يُهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية.

من جانبها، نقلت شبكة “سي بي إس نيوز”، عن مسؤول إقليمي مشارك في الوساطة، أن المقترحات المطروحة شملت “استئناف الحوار بين واشنطن وطهران، مقابل إعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء الحصار البحري المفروض على إيران”، بما يسمح باستئناف صادراتها النفطية، دون التوصل حتى الآن إلى اتفاق نهائي.

اعتبارات انتخابية تضغط على البيت الأبيض

إلى جانب التحركات الإقليمية، فرضت “الحسابات السياسية الداخلية” نفسها على القرار الأمريكي، في ظل اقتراب انتخابات التجديد النصفي، وحرص إدارة ترامب على تجنب الانخراط في حرب جديدة قد تؤثر على المزاج الانتخابي.

وتُشير استطلاعات للرأي إلى تراجع معدلات التأييد للرئيس الأمريكي ترامب إلى ما بين 32 و35%، في وقت أبدى فيه نحو 70% من الأمريكيين رغبتهم في تجنب الانخراط في صراعات عسكرية جديدة في الشرق الأوسط، وهو ما جعل خيار التفاوض “أكثر توافقا” مع الرأي العام، بحسب تقارير إعلامية أمريكية.

ويرى محللون، وفق معهد “بروكينجز” الأمريكي، أن الدخول في مواجهة مفتوحة مع إيران كان سيحمل مخاطر سياسية واقتصادية قد تستغلها المعارضة الديمقراطية في حملاتها الانتخابية، خاصة إذا أدى التصعيد إلى ارتفاع أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة.

المخاوف الاقتصادية وسوق النفط

شكّل الجانب الاقتصادي أحد أبرز العوامل التي دفعت الإدارة الأمريكية إلى إعادة تقييم خياراتها، إذ إن أي “مواجهة مباشرة” مع إيران كانت ستنعكس سريعا على حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية.

ويخشى خبراء الطاقة من أن يؤدي إغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة فيه إلى “قفزات كبيرة في أسعار النفط”، وهو ما سينعكس على معدلات التضخم والاقتصاد الأمريكي، فضلا عن الاقتصاد العالمي.

ويرى محللون، استنادا إلى تقارير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) والتوجهات المُعلنة للبيت الأبيض، أن الحفاظ على استقرار أسواق الطاقة بات يُمثّل “أولوية” بالنسبة للإدارة الأمريكية، لا سيما مع استمرار الضغوط الاقتصادية العالمية.

اعتبارات عسكرية وحدود القوة الأمريكية

إلى جانب العوامل السياسية والاقتصادية، برزت اعتبارات “عسكرية” لعبت دورا في قرار تراجع ترامب عن ضرب إيران.

وذكرت تقارير إعلامية أمريكية، أن القيادة العسكرية الأمريكية قدّرت أن تنفيذ هجوم واسع على إيران قد يستدعي انخراطا عسكريا “أطول وأكثر تعقيدا”، خاصة في ظل احتمال رد إيراني يستهدف المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة.

كما نقل موقع “أكسيوس”، أن من بين أسباب التراجع عدم كفاية القوات والعتاد الأمريكيين في الشرق الأوسط لتنفيذ عملية “واسعة” والتعامل في الوقت نفسه مع ردود الفعل الإيرانية المحتملة، فضلا عن التحذيرات التي وجهتها دول حليفة لواشنطن بشأن التداعيات الإقليمية لأي تصعيد عسكري.

طهران تُشكك في رواية ترامب

في المقابل، نفت إيران الرواية التي قدّمها الرئيس الأمريكي ترامب، بشأن الاتصالات الأخيرة، ورفضت ما وصفته بمحاولات تصوير طهران على أنها طلبت وقف الضربة العسكرية.

ونقلت وكالة “مهر” الإيرانية، عن مسؤولين قولهم، إن تصريحات ترامب “لا تعكس حقيقة ما جرى”، مؤكدين أن موقف إيران لم يتغير، وأن قضية مضيق هرمز ستظل مرتبطة بما وصفوه بـ”السلوك العدائي الأمريكي”.

كما شددت طهران، على أن أي مفاوضات يجب أن تقوم على أساس رفع الضغوط والعقوبات، وليس تحت التهديد العسكري.

إسرائيل تُراقب بقلق

أثار قرار التراجع الأمريكي ردود فعل داخل إسرائيل، حيث تحدثت وسائل إعلام عبرية عن حالة من “الارتباك” عقب إلغاء الضربة، بعدما كانت المؤسسة العسكرية قد رفعت مستوى التأهب استعدادا لاحتمال تنفيذ الهجوم.

وأشارت هيئة البث الإسرائيلية “كان”، إلى أن تل أبيب “فُوجئت” بإعلان ترامب، معتبرة أن التطور يعكس اعتماد إسرائيل المتزايد على القرارات الأمريكية في الملفات الأمنية الكبرى.

وحذّرت صحف عبرية، من أن أي تراجع أمريكي عن سياسة التصعيد قد يترك إسرائيل في “مواجهة مباشرة” مع إيران، في حال فشلت الجهود الدبلوماسية.

هل تنجح الدبلوماسية؟

رغم أن قرار التراجع خفف من احتمالات المواجهة العسكرية الفورية، فإن مستقبل العلاقات بين واشنطن وطهران لا يزال مرتبطا بنتائج جولات التفاوض المرتقبة، وقدرة الوسطاء على تضييق “فجوة الخلافات” بشأن البرنامج النووي والعقوبات وأمن الملاحة في الخليج.

وفي ظل استمرار التصريحات “المتشددة” من إيران وأمريكا، تبدو فرص التوصل إلى اتفاق شاملة مرهونة بمدى استعداد كل طرف لتقديم تنازلات، بينما يبقى خيار التصعيد العسكري قائما إذا انهارت المساعي الدبلوماسية من جديد.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version