مرت 67 عامًا على أحد الأيام الفارقة في تاريخ محافظة الوادي الجديد؛ ففي 3 أكتوبر 1959 وصلت أولى قوافل التعمير إلى قلب الصحراء الغربية، لتبدأ مرحلة جديدة من تعمير الصحاري وتحويل مساحات واسعة من الرمال إلى مدن وقرى وطرق ومزارع وخدمات.
وأصبح هذا التاريخ لاحقًا العيد القومي للمحافظة، وموعدًا سنويًا يستعيد فيه أبناء الواحات ذاكرة البدايات وحكايات رجال حملوا معداتهم وطموحاتهم إلى منطقة كانت بعيدة عن مراكز العمران.
ويوافق 3 أكتوبر من كل عام ذكرى وصول أول قافلة للتعمير والاستصلاح عام 1959، وهي المناسبة التي تحتفل بها المحافظة سنويًا.
لم تبدأ قصة الوادي الجديد في خمسينيات القرن الماضي؛ فتاريخ الواحات يمتد إلى عصور موغلة في القدم، وتحمل مواقعها شواهد من العصور الفرعونية والفارسية والرومانية والقبطية والإسلامية، وهو ما تكشف عنه الآثار المنتشرة بمراكز المحافظة.
أما إداريًا، فبدأت مرحلة حديثة من تاريخ المنطقة عام 1917، عقب إنشاء ما عُرف آنذاك بـ«محافظة الصحراء الجنوبية»، بعد ضم واحتي الخارجة والداخلة في كيان إداري واحد، قبل أن يتغير المشهد بصورة جذرية مع مشروعات تعمير الصحاري في النصف الثاني من القرن العشرين.
قال النائب سعد نجاتي، نجل عمدة واحة الخارجة وأحد كبار رجال الواحة وقدامى نوابها، إن الخطوات التنفيذية لمشروع تعمير الصحاري بدأت، بحسب رواية اللواء أحمد رفيق النجار، مدير المشروعات السابق بهيئة تعمير الصحاري، عندما كلف الرئيس جمال عبد الناصر المشير عبد الحكيم عامر بدراسة آفاق التنمية في الصحراء المصرية.
وجرى تشكيل «لجنة تعمير الصحاري» برئاسة اللواء حسن محمد صبيح، مدير سلاح المهندسين، وضمت متخصصين في التخطيط والمياه الجوفية والميكانيكا والكهرباء والمشروعات.
ولم تقتصر مهمة اللجنة على الجولات الميدانية، إذ اعتمدت على جمع المعلومات من العاملين والسكان، والرجوع إلى المراجع العلمية، وإجراء التصوير الجوي ورسم الخرائط والمسح الجيولوجي، إلى جانب دراسة التركيبة السكانية وزراعات الأهالي والنخيل ونظم الري التقليدية.
وبعد إعداد التصور العام، رُفع التقرير إلى القيادة السياسية، قبل أن يعلن عبد الناصر في خطابه ببورسعيد في ديسمبر 1958 بدء مشروع إنشاء وادٍ جديد موازٍ لوادي النيل، في رؤية استهدفت نقل جزء من التنمية والسكان إلى الصحراء الغربية.
وأوضح نجاتي أن مشروع تعمير الصحاري أخذ بعد ذلك شكله المؤسسي، إذ صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 572 لسنة 1959 بإنشاء الهيئة العامة لتعمير الصحاري، في الأول من أبريل 1959، وفق ما ورد في «منشورات قانونية».
وتابع أن مهام الهيئة تضمنت التعامل مع الأراضي الصحراوية وإجراءات استصلاحها وتعميرها، قبل أن تتطور البنية المؤسسية لاحقًا بصدور القرار الجمهوري رقم 1515 لسنة 1961 بإنشاء المؤسسة العامة لتعمير الصحاري، ثم القرار رقم 3317 لسنة 1962 الخاص بالمؤسسة المصرية العامة لتعمير الصحاري وإلحاقها بوزارة الإصلاح الزراعي وإصلاح الأراضي.
وقال إن الهدف تجاوز استصلاح قطعة أرض أو حفر بئر، إذ قامت الفكرة على حصر الأراضي القابلة للاستصلاح، ووضع سياسات لاستغلالها وزراعتها وتعميرها، ثم إنشاء مجتمعات قادرة على الاستمرار.
في 3 أكتوبر 1959، وصلت أولى قوافل التعمير إلى الوادي الجديد، في لحظة أصبحت لاحقًا رمزًا لبداية عصر جديد داخل الواحات.
وارتبطت القافلة الأولى بسلاح المهندسين بالقوات المسلحة، وصاحبتها أعمال للمسح الجوي، بينما برز اسم المهندس عبد المجيد الجغيل بوصفه أحد أبرز رجال تلك المرحلة، وارتبط اسمه ببدايات المشروع.
وأصبحت ليلة وصول أول قافلة للتعمير من سلاح المهندسين في 3 أكتوبر 1959 ذكرى سنوية ارتبط بها العيد القومي لمحافظة الوادي الجديد.
قال إبراهيم خليل، مدير الثقافة الأسبق وأحد جامعي تاريخ الوادي الجديد، إن عبد المجيد الجغيل تخرج في كلية الهندسة بجامعة الإسكندرية عام 1953، والتحق بسلاح المهندسين، قبل أن يصبح من أبرز الأسماء المرتبطة بمشروع تعمير الصحاري.
وتولى الجغيل لاحقًا منصب محافظ الوادي الجديد بين عامي 1968 و1974، وتشير الرواية إلى إسهاماته في إنشاء الطرق والمستشفيات والوحدات الصحية والمدارس وشبكات الكهرباء، إلى جانب حفر الآبار ودعم الزراعة وميكنة صناعة البلح.
كما ارتبط اسمه بقافلة سلاح المهندسين التي وصلت إلى الوادي الجديد عام 1959، قبل أن يتولى المحافظة لاحقًا.
قال عمرو بحر، الكاتب الصحفي من أبناء واحة الخارجة وصاحب كتاب «مذكرات مأمور الواحات»، إن رجال تعمير الصحاري واصلوا العمل في إنشاء المدن واستصلاح الأراضي وحفر الآبار، قبل أن تفرض أحداث يونيو 1967 واقعًا مختلفًا.
وأضاف بحر أنه جرى إعلان التعبئة العامة، وشارك رجال ومعدات مؤسسة تعمير الصحاري في دعم مواقع الدولة والإنشاءات المرتبطة بالمجهود الوطني، قبل أن تستأنف أجهزة التعمير نشاطها بعد حرب أكتوبر 1973.
وعادت بعدها أعمال البناء والإسكان والمرافق والطرق لتواصل تشكيل ملامح الوادي الجديد الحديث.
وأضاف بحر أن مرحلة ما بعد الحرب شهدت توسعًا في إنشاء المباني الحكومية والوحدات السكنية، مع مراعاة الطبيعة الصحراوية واتجاهات التهوية واتساع المساحات بين المباني.
وأوضح أن فلسفة البناء كانت تقوم على أن المدينة الصحراوية لا يمكن تصميمها بالمعايير نفسها التي تناسب المدن المكتظة في الوادي، وإنما تحتاج إلى حلول تتعامل مع الحرارة والرياح والمسافات المفتوحة.
وأكد بحر أن الصحراء الغربية احتفظت كذلك بأثر سياسي واجتماعي من فترة القومية العربية، إذ حملت قرى في المحافظة أسماء عربية، مثل فلسطين والكويت والجزائر وبغداد وعدن وصنعاء.
وأشار إلى أن تلك التجمعات تحولت لاحقًا إلى مجتمعات خرج منها أطباء ومهندسون وقضاة وأساتذة جامعات، إلى جانب أجيال من المزارعين.
بعد مرور 67 عامًا، لم تعد قوافل التعمير مجرد صور قديمة محفوظة في ذاكرة أبناء الواحات، بل أصبحت نقطة بداية تقاس عليها التحولات التي شهدتها المحافظة على مدار عقود.
وقال الباحث في تراث وتاريخ واحات الوادي الجديد محمود عبد ربه إن ذكرى العيد القومي تعيد إحياء مرحلة وصول أولى قوافل التعمير عام 1959، باعتبارها نقطة انطلاق للتنمية وإنشاء قرى تحولت بمرور السنوات إلى مجتمعات متكاملة.
واليوم، تبقى قصة تعمير الصحاري أكثر من مجرد فصل تاريخي؛ فهي قصة انتقال من العزلة الجغرافية إلى بناء مجتمعات وطرق وخدمات، ومن صحراء مترامية إلى واحات احتضنت مشروعات استهدفت تنمية الصحراء الغربية وتوسيع رقعة العمران المصري.
وبينما تحتفل المحافظة بعيدها القومي، تبقى ذكرى قوافل التعمير مرتبطة في وجدان أبناء الوادي الجديد برجال حملوا حلمهم إلى الصحراء قبل 67 عامًا، وتركوا آثارًا لا تزال حاضرة في الشوارع والمباني والقرى والحقول حتى اليوم.
اقرأ أيضًا:
“عروض جوية ومواكب وفلكلور”.. الوادي الجديد يحتفل بعيدِه القومي الـ67 (فيديو وصور)


