لم تنتهِ حرب أكتوبر عندما سكتت المدافع، ولم يتوقف أثر العبور عند الضفة الأخرى من القناة، فقد كانت هناك معركة أخرى بدأت بعد النصر، معركة الحفاظ على معنى ما حدث، ونقله من جيل إلى جيل، وتحويله من واقعة عسكرية في كتب التاريخ إلى تجربة حية تسكن الوجدان. وهنا ظهر دور القوة الناعمة المصرية، التي حملت نصر أكتوبر من الخندق إلى الشاشة، ومن الميدان إلى الأغنية، ومن البيانات العسكرية إلى الحكاية الإنسانية.
كان الجندي المصري هو صاحب الفعل الأول في المعركة، لكن الثقافة والفنون والإعلام تولت مهمة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن تروي للأجيال كيف انتصر المصريون، وماذا يعني أن تعبر إرادة شعب كامل من لحظة الانكسار إلى لحظة استعادة الثقة. ولذلك لم تكن الأغنية الوطنية مجرد صوت مصاحب للنصر، ولم تكن الصورة السينمائية مجرد تسجيل لحدث مضى، بل أصبح الفن إحدى الوسائل التي أعادت تشكيل الوعي الجمعي حول أكتوبر.
الأغنية تحديدًا امتلكت قدرة استثنائية على الوصول إلى الناس. فالكلمات والألحان والأصوات استطاعت أن تختصر مشاعر وطن كامل في دقائق قليلة، وأن تمنح النصر لغة يفهمها الجميع. ومن هنا أصبحت الأغنية الوطنية جزءًا من الذاكرة الشعبية للحرب، وظلت الألحان والكلمات مرتبطة في وجدان المصريين بمشهد العبور والانتصار، حتى لدى أجيال لم تعش الحرب ولم ترَ جنودها في مواقع القتال.
ثم جاءت السينما والتليفزيون ليقدما زاوية أخرى، فانتقلت الحرب من التقارير والأخبار إلى الشخصيات والحكايات والمواقف الإنسانية. الجندي لم يعد رقمًا في بيان عسكري، وإنما أصبح إنسانًا له أسرة وأم وحبيبة وأحلام ومخاوف، ومع هذه المعالجة تحولت الحرب من حدث عسكري إلى تجربة إنسانية يمكن للأجيال اللاحقة أن تراها وتفهم بعض أبعادها.
وهنا تكمن قيمة القوة الناعمة، فهي لا تخوض المعركة بالطريقة التي يخوضها الجندي، لكنها تستطيع أن تحافظ على نتائجها في الوعي. فالمدفع يستطيع أن يحسم موقعًا، أما الفيلم والأغنية والرواية والمسرحية فتستطيع أن تجعل هذا الموقع حاضرًا في ذاكرة ملايين البشر بعد مرور عشرات السنين.
لقد أدركت مصر، بحكم تراكمها الثقافي والفني، أن الانتصار لا يحتاج فقط إلى توثيق عسكري، وإنما يحتاج أيضًا إلى رواية ثقافية. والرواية الثقافية ليست ترفًا، لأن الشعوب التي لا تروي تاريخها تترك الآخرين يروونه نيابة عنها، وقد تختلف الرواية حين تنتقل من صاحب التجربة إلى من يراقبها من الخارج.
ومن هنا يصبح الفن جزءًا من الأمن الثقافي، لا بمعنى تحويل الإبداع إلى خطاب مباشر، وإنما باعتبار الثقافة وسيلة لحماية المعنى، وإعادة تقديم التاريخ بصورة قادرة على الوصول إلى الأجيال الجديدة. فالشاب الذي قد لا يقرأ عشرات الصفحات عن حرب أكتوبر، ربما يتوقف أمام فيلم مؤثر، أو أغنية وطنية، أو مشهد درامي يجعله يسأل عن القصة الحقيقية وراءه، ومن السؤال يبدأ الوعي.
وهذا هو أحد أهم أدوار القوة الناعمة: أن تفتح باب المعرفة من خلال العاطفة والجمال والحكاية.
ولذلك فإن الاحتفال بأكتوبر لا ينبغي أن يقتصر على استعادة صور العبور ورفع الأعلام، رغم أهمية ذلك، وإنما يجب أن يمتد إلى قراءة ما أنتجته مصر من أدب وفن وموسيقى وسينما ومسرح وإعلام حول هذه التجربة. فهذه الأعمال تمثل جزءًا من تاريخ مصر الثقافي، كما تمثل سجلًا لتحولات المجتمع المصري ونظرته إلى ذاته وإلى قدرته على تجاوز الهزيمة واستعادة الثقة.
والأهم أن نقرأ تجربة أكتوبر اليوم باعتبارها نموذجًا متكاملًا للقوة الوطنية، فالجندي أدى دوره في الميدان، والعالم والمهندس والطبيب والعامل والمواطن أدوا أدوارهم كل من موقعه، ثم جاء الفنان والمثقف والإعلامي ليحملوا الحكاية إلى الناس، ويمنحوها القدرة على البقاء.
لقد عبر الجيش المصري القناة في السادس من أكتوبر، لكن قصة العبور واصلت عبورها بعد ذلك من جيل إلى جيل. انتقلت من الجنود إلى الفنانين، ومن الفنانين إلى الجمهور، ومن الجمهور إلى الأبناء والأحفاد. وهكذا لم يعد أكتوبر تاريخًا يقرأه المصريون، وإنما أصبح جزءًا من تكوينهم النفسي والثقافي.
لهذا فإن الحديث عن نصر أكتوبر اليوم هو حديث عن قوة السلاح وقوة الإرادة وقوة الثقافة في آن واحد. وإذا كان السلاح قد صنع لحظة الانتصار، فإن القوة الناعمة ساعدت على إبقاء هذه اللحظة حية في الوجدان.
من الخندق إلى الشاشة، ومن الميدان إلى الذاكرة، ظل أكتوبر يثبت أن الانتصار الحقيقي لا يكتمل عندما تنتهي المعركة، وإنما عندما تنجح الأجيال التالية في فهم معناها والحفاظ على قيمتها.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

