الأربعاء, يوليو 29

حذّرت الدكتورة ريهام متولي، الباحثة والمتخصصة في العلوم النفسية والمهتمة بتأثير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على السلوك الإنساني، من تحول بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي من أدوات مساعدة في الدراسة والعمل إلى مصدر أساسي للراحة النفسية لدى بعض المستخدمين، خاصة المراهقين، بما قد يؤدي إلى الاعتماد العاطفي والعزلة الأسرية إذا لم يتم الانتباه إلى الأمر مبكرًا.

جاء ذلك خلال مداخلة هاتفية ببرنامج “شاي بحليب” المذاع عبر إذاعة الوادي الجديد التابعة للهيئة الوطنية للإعلام، مع الإذاعي محمد بدر الدين.

أوضحت الدكتورة ريهام متولي أن الإنسان لا يتعلق بالأشياء في حد ذاتها، وإنما بالمشاعر التي ترتبط بها، مستشهدة بتعلق الطفل بدميته التي تمنحه شعورًا بالأمان، رغم إدراكه أنها مجرد لعبة.
وأضافت أن الأمر ذاته قد يحدث مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، فهي لا تمتلك مشاعر حقيقية، لكنها تقدم استجابة سريعة، وتستمع دون مقاطعة أو ملل، ما يجعل المستخدم يشعر تدريجيًا بأنها مساحة آمنة للتفريغ النفسي.

وضربت مثالًا بطالب في المرحلة الثانوية يعود إلى منزله بعد خلاف مع أصدقائه، فإذا لم يجد تفهمًا من أسرته، بينما وجد من التطبيق كلمات داعمة ومتعاطفة، فقد يرتبط بالشعور الذي يمنحه له التطبيق، وليس بالتطبيق نفسه، وهو ما يعرف في علم النفس بـ”الارتباط بالشعور لا بالوسيلة”.

ورفضت الباحثة وصف الذكاء الاصطناعي بأنه “صديق”، مؤكدة أن الصداقة الحقيقية تقوم على التفاعل المتبادل والمشاعر المشتركة، بينما التطبيق لا يشعر بالمستخدم ولا يتأثر به، وإنما يقدم استجابات مبرمجة.
وأضافت أن استبدال العلاقات الإنسانية الحقيقية بالتطبيقات قد يؤدي تدريجيًا إلى ضعف المهارات الاجتماعية، ويزيد من احتمالات العزلة عن الأسرة والأصدقاء.

فرّقت الدكتورة ريهام متولي بين الاستخدام الطبيعي لتطبيقات الذكاء الاصطناعي والاستخدام الذي يستدعي القلق، موضحة أن الاستخدام الصحي يقتصر على إنجاز المهام الدراسية أو المهنية، بينما يبدأ الاعتماد العاطفي عندما يصبح التطبيق المصدر الأساسي للراحة النفسية.

وأشارت إلى أبرز العلامات، ومنها:

اللجوء إلى التطبيق فور الشعور بالضيق.
استشارته في القرارات الشخصية، حتى البسيطة منها.
تفضيل الحديث معه على التواصل مع الأسرة أو الأصدقاء.
الشعور بفراغ أو قلق شديد عند تعذر استخدامه.
وأكدت أن معيار التقييم لا يرتبط بعدد ساعات الاستخدام، وإنما بمدى تأثيره في حياة الفرد وعلاقاته وسلوكه اليومي.

وأوضحت الباحثة النفسية أن هناك فرقًا بين الاستخدام المكثف والإدمان الرقمي والاعتماد العاطفي.
فالاستخدام المكثف قد يكون مرتبطًا بالدراسة أو العمل مع قدرة الشخص على التوقف في أي وقت، بينما يتمثل الإدمان الرقمي في فقدان السيطرة على الاستخدام رغم معرفة أضراره، أما الاعتماد العاطفي فيعني ارتباط الشعور بالراحة النفسية باستخدام التطبيق.

ودعت إلى توخي الدقة في استخدام مصطلح “الإدمان”، واقترحت استخدام تعبيرات أكثر دقة مثل “الاستخدام المفرط” أو “الاعتماد النفسي الذي يحتاج إلى تقييم متخصص”.

وأكدت الدكتورة ريهام متولي أن جيلي Z وألفا يتمتعان بمهارات رقمية مرتفعة بحكم نشأتهما في بيئة تعتمد على التكنولوجيا، إلا أنهما في الوقت نفسه أكثر عرضة للتأثر بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، لأن الانتقال من استخدامها إلى الاعتماد عليها يحدث بصورة تدريجية وغير ملحوظة.
وشددت على أهمية ترسيخ مفهوم “التربية الرقمية”، بحيث يتعلم الأبناء ليس فقط كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وإنما أيضًا متى يستخدمونها ومتى يتوقفون عن استخدامها.

وفي ختام حديثها، حذرت الباحثة من التعامل مع إجابات تطبيقات الذكاء الاصطناعي باعتبارها تشخيصًا أو علاجًا نفسيًا، مؤكدة أنها قد تساعد في تقديم معلومات عامة أو تنظيم الأفكار، لكنها لا يمكن أن تحل محل التقييم الذي يجريه الطبيب النفسي المختص.
وأوضحت أن تشخيص الاضطرابات النفسية يتطلب دراسة التاريخ المرضي والظروف المحيطة بالحالة، وهو ما لا تستطيع أي تطبيقات ذكية القيام به، مؤكدة أن الاستخدام غير الصحي لا يُقاس بعدد ساعات الاستخدام فقط، وإنما بمدى تأثيره في حياة الشخص وعلاقاته وسلوكه اليومي.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version