الإثنين, سبتمبر 28

يرى خبراء تحدثوا لـ”مصراوي” أن أمام مصر عدة مسارات لزيادة مواردها الدولارية، تبدأ بتعظيم العائد من المصادر القائمة مثل تحويلات العاملين والسياحة وقناة السويس وتمتد إلى زيادة الصادرات الصناعية والخدمية ورفع إنتاج الطاقة وتقليل فاتورة الاستيراد مع توجيه الاستثمار الأجنبي إلى مشروعات قادرة على الإنتاج والتصدير وتوليد تدفقات دولارية متكررة.

لم تعد معركة النقد الأجنبي مرتبطة فقط بتوفير الدولار عند الحاجة، وإنما أصبحت مرتبطة بسؤال: كيف يولد الاقتصاد دولارات جديدة بصورة متكررة؟ فالفارق كبير بين دولار يدخل مرة واحدة من بيع أصل أو صفقة استثمارية، ودولار يتولد كل عام من تصدير سلعة أو خدمة أو إنفاق سائح أو تحويلات عامل بالخارج.
تكشف أحدث البيانات أن لدى مصر بالفعل قاعدة واسعة من موارد العملة الأجنبية، لكن زيادة حصيلتها تتطلب الانتقال من مجرد جذب التدفقات إلى رفع قدرة القطاعات المحلية على إنتاج النقد الأجنبي.
على سبيل المثال، سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج نحو 47.3 مليار دولار خلال السنة المالية 2025/2026، بزيادة 29.6% عن العام المالي السابق، وفق البنك المركزي المصري، بعدما بلغت التحويلات خلال السنة الميلادية 2025 نحو 41.5 مليار دولار بارتفاع 40.5%.
يعلق الدكتور خالد الشافعي رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، بأن المغزى لا يتعلق فقط بحجم الأموال وإنما باستدامتها، فالتحويلات تمثل تدفقًا متكررًا مرتبطًا بدخل ملايين المصريين في الخارج، ولذلك فإن توسيع قاعدة العمالة المصرية ذات المهارات المطلوبة عالميًا ورفع أجورها وخفض تكلفة التحويلات وزيادة استخدام القنوات الرسمية، يمكن أن يرفع حصيلة الدولار من دون إنشاء أصل جديد أو الاقتراض من الخارج.

ويضيف الشافعي لـ”مصراوي” أن مصر لا بد أن تستغل السياحة، فهي لا تحتاج فقط مزيدًا من السائحين وإنما سائحًا ينفق أكثر ويقيم لفترة أطول ويزور مناطق متعددة ويستخدم خدمات مصرية أكثر، ولذلك فإن تطوير السياحة العلاجية والتعليمية واليخوت والمؤتمرات والسياحة الثقافية والبيئية يمكن أن يزيد حصيلة الدولار من السائح نفسه وليس فقط من زيادة عدد الوافدين.
وقد عرضت بيانات البنك المركزي لأول 9 أشهر من السنة المالية 2025/2026 تحقيق مصر إيرادات سياحية نحو 14.4 مليار دولار.

التصدير وتقليل استيراد الطاقة

يقول الدكتور وليد جاب الله عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، إن المسار الأكثر ارتباطًا بقدرة الاقتصاد على إنتاج الدولار هو زيادة الصادرات، خصوصًا الصادرات الصناعية والغذائية والهندسية والدوائية والإلكترونية.
تكشف بيانات الهيئة العامة للاستثمار أن صادرات المناطق الحرة بلغت 26.7 مليار دولار خلال 2025/2026 حتى يونيو 2026، فيما بلغت الاستثمارات بها 39.2 مليار دولار، وتشترط منظومة الرخصة الذهبية تخصيص 50% من الإنتاج للتصدير و50% مكونًا محليًا في الحالات المستفيدة وفق بيانات الهيئة.
يضيف جاب الله لـ”مصراوي” أن هذه هي الصورة التي تحتاج مصر توسيعها، حيث الاستثمار الأجنبي أو المحلي الداخل لمصر، ثم يتحول إلى مصنع ثم إنتاج ثم تصدير ثم دولار، وعند هذه النقطة يصبح الاستثمار أداة لتوليد العملة الأجنبية لا مجرد مصدر لتدفق مالي في سنة معينة.
ويتابع أن قطاع الطاقة يحمل معادلة مزدوجة، فزيادة الإنتاج المحلي تقلل حاجة شراء الطاقة من الخارج، بينما رفع كفاءة التكرير يتيح تصدير منتجات ذات قيمة مضافة أعلى.

خلال النصف الأول من 2026، بلغت صادرات المنتجات البترولية المصرية 2.3 مليون طن بقيمة 2.3 مليار دولار، مع وصول معدلات تشغيل معامل التكرير إلى نحو 80%، وفق وزارة البترول.
ويشير جاب الله إلى أن قطاع البترول بدأ يتحرك في اتجاهين متوازيين، هما رفع الإنتاج المحلي وجذب الاستثمارات للبحث والاستكشاف وفي الوقت نفسه تعظيم قيمة الخام عبر التكرير والبتروكيماويات، مبينًا أن التحسن يأتي في مركز النقد الأجنبي من دولار جديد يدخل من التصدير ودولار آخر لا يخرج بسبب انخفاض فاتورة الاستيراد.
وخلال العام المالي 2025/2026، بلغت استثمارات البحث والإنتاج نحو 4.5 مليار دولار، بينما وصلت كميات الخام المكررة إلى نحو 28 مليون طن.

الخدمات.. تصدير ما لا يحتاج إلى ميناء

يقول الدكتور كريم العمدة الخبير الاقتصادي، إن أحد أهم الأبواب التي ما زالت لديها مساحة للنمو هو تصدير الخدمات، من تكنولوجيا المعلومات والتعهيد والخدمات المهنية إلى التعليم والتدريب والخدمات المالية والهندسية.
تشير بيانات البنك المركزي إلى ارتفاع إيرادات الخدمات، ومنها خدمات تكنولوجيا المعلومات والتعهيد، إلى نحو 4.6 مليار دولار خلال أول 9 أشهر من 2025/2026، مقابل نحو 3.7 مليار دولار في الفترة المقابلة.
ويضيف العمدة لـ”مصراوي” أن ميزة هذا القطاع أن المنتج لا يحتاج إلى سفينة أو حاوية، بل مهندس مصري أو مبرمج أو محاسب أو مصمم يمكنه تقديم خدمة لشركة في أوروبا أو الخليج أو أفريقيا وتحويل المقابل إلى مصر.
ويتابع أن الأمر نفسه ينطبق على التعليم، فوجود 138 ألف طالب أجنبي من 119 جنسية في الجامعات المصرية، يعني سوقًا واسعة يمكن تطويرها من مجرد تحصيل رسوم دراسية إلى منظومة متكاملة تشمل السكن والنقل والخدمات والتدريب والشهادات المهنية.

قناة السويس.. تعظيم عائد الموقع وليس رسوم المرور فقط

يقول خالد الشافعي إن إيرادات قناة السويس تظل موردًا مهمًا للنقد الأجنبي، لكن التجربة الأخيرة أظهرت أن الاعتماد على رسوم العبور وحدها يجعل الإيرادات شديدة الحساسية للصدمات الجيوسياسية.
ويضيف الشافعي أن الفرصة الأكبر هي تحويل الموقع الجغرافي إلى منظومة تجارة ولوجستيات وصناعة وخدمات، عبر موانئ تخزين وإعادة تصدير وتصنيع للتصدير وتموين السفن والطائرات وخدمات بحرية ومراكز توزيع إقليمية.
وهنا تصبح المنطقة الاقتصادية لقناة السويس،حسب الشافعي، أكثر أهمية من مجرد قناة عبور، لأن المصنع الموجود بالقرب من الميناء يمكن أن يستورد مدخلات ويصنع في مصر، ثم يعيد تصدير المنتج إلى أسواق أخرى، فالعائد في هذه الحالة لا يأتي من السفينة التي تمر مرة واحدة وإنما من النشاط الاقتصادي الذي يبقى داخل مصر.

الاستثمار الأجنبي.. لا يكفي أن يدخل الدولار

بلغ صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى مصر نحو 12.2 مليار دولار خلال السنة المالية 2024/2025، باستبعاد صفقة رأس الحكمة البالغة 35 مليار دولار، وفق الهيئة العامة للاستثمار، وتوزعت التدفقات غير البترولية بين التمويل والصناعة والعقارات وغيرها مع استحواذ الصناعة على 16.2% من صافي التدفقات.

يقول كريم العمدة: ليس كل دولار من الاستثمار الأجنبي متساويًا في أثره على الاقتصاد الخارجي، فالدولار الذي يدخل لشراء أصل قائم يختلف عن دولار يمول مصنعًا جديدًا، والمصنع الذي يبيع في السوق المحلية يختلف عن مصنع يصدر 70% من إنتاجه، لذلك يصبح معيار الاستثمار الأكثر أهمية هو: كم دولارًا يستطيع المشروع أن يولده لمصر بعد دخوله؟

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version