الأحد, أكتوبر 11
الأحد, أكتوبر 11

تتصاعد حدة التوتر بين إثيوبيا وإريتريا مع تجدد المواجهات العسكرية في إقليم “تيجراي” شمالي إثيوبيا، وتبادل البلدين الاتهامات بشأن “التوغل العسكري والاستعداد لشن هجمات”، في تطورات تُثير مخاوف من اتساع نطاق الصراع وتحوّله إلى مواجهة مباشرة بين الجارتين في منطقة القرن الأفريقي، إذ يأتي هذا التصعيد الميداني والدبلوماسي وسط تساؤلات حاسمة حول ما إذا كانت أديس أبابا تستغل حجة “التيجراي” كغطاء قانوني لشرعنة غزو عسكري وشيك يستهدف انتزاع منفذ بحري سيادي على البحر الأحمر بالقوة.

وترافقت التطورات الميدانية مع تصعيد دبلوماسي “مُتبادل”، بعدما لجأ البلدان إلى مجلس الأمن الدولي لعرض روايتيهما بشأن “المسؤولية عن الأزمة”. ففي حين تتهم أديس أبابا القوات الإريترية باختراق حدودها، تقول أسمرة إن التحركات الإثيوبية تُهدد أمنها وسيادتها، وتربط التصعيد بطموحات إثيوبيا في الحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر.

اتهامات مُتبادلة بالتوغل والتمهيد للحرب

قدّمت إريتريا شكوى إلى مجلس الأمن الدولي، اتهمت فيها إثيوبيا بـ”التحضير لعمل عسكري ضد أراضيها”، محذّرة من أن سعي أديس أبابا إلى الحصول على منفذ بحري قد يتحول إلى محاولة لفرض واقع جديد بالقوة.

ووصفت أسمرة، التحركات الإثيوبية بأنها “تهديد مباشر لأمنها”، داعية المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف إزاء ما تعتبره “تصعيدا يستهدف سيادتها”.

في المقابل، وجّهت إثيوبيا رسالة إلى مجلس الأمن قالت فيها إن قوات إريترية نفذت ما وصفته بـ”غزو شامل” لأراضيها، مشيرة إلى أن تلك القوات توغلت لمسافة تصل إلى 60 كيلومترا داخل إقليم تيجراي.

واعتبرت الحكومة الإثيوبية، أن هذه التحركات تُمثّل “عملا عدائيا يمنحها الحق في الدفاع عن نفسها”، وفقا لما ورد في رسالتها الرسمية.

المنفذ البحري.. نقطة خلاف استراتيجية

يُمثّل الوصول إلى “البحر الأحمر” أحد أبرز الملفات “الخلافية” بين البلدين، إذ تسعى إثيوبيا، التي فقدت منفذها البحري بعد استقلال إريتريا عام 1993، إلى تأمين وصول “مُستقر” إلى الموانئ البحرية لدعم تجارتها ومصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.

وتخشى إريتريا أن تتحول المطالب الإثيوبية بالحصول على منفذ بحري إلى “تحرك يستهدف ميناء عصب”، الواقع على ساحل البحر الأحمر، وهو ما يُفسر جانبا من حدة موقفها تجاه التصريحات الإثيوبية بشأن “ضرورة تأمين وصول بحري سيادي”.

وتؤكد أديس أبابا أنها تسعى إلى تحقيق أهدافها البحرية عبر “الوسائل السلمية والتفاهمات”، بينما ترى أسمرة، أن هذه التصريحات تُثير مخاوف بشأن “نوايا جارتها”، خصوصا في ظل تزامنها مع تدهور العلاقات السياسية وعودة المواجهات العسكرية في شمال إثيوبيا، وفق صحيفة “الشرق الأوسط”.

اتهامات بدعم جماعات مسلحة

لا تقتصر الخلافات بين البلدين على مسألة الوصول إلى البحر، بل تمتد إلى “الصراع الداخلي الإثيوبي”، إذ تتهم الحكومة الاتحادية في أديس أبابا إريتريا بدعم جماعات مسلحة تُقاتل القوات الحكومية في أقاليم تيجراي وأمهرة وعفر، وهي اتهامات “تنفيها أسمرة”.

وتأتي هذه الاتهامات في ظل تجدد القتال بين القوات الحكومية الإثيوبية ومُقاتلي “تيجراي”، بعدما دخلت جماعات معارضة في تحالفات جديدة مناهضة للحكومة، حيث أدى اتساع رقعة المواجهات إلى “تعقيد المشهد الأمني”، وفتح المجال أمام تداخل الصراع الداخلي مع الخلافات الإقليمية بين إثيوبيا وإريتريا.

تحركات إريترية وضربات بالطائرات المسيّرة

على الأرض، أفادت تقارير ميدانية، بدخول قوات إريترية إلى مناطق داخل إقليم “تيجراي” عبر الحدود، مرورا بمنطقة “زلامبيسا”، قبل تحركها باتجاه الطريق الرابط بين” أديجرات وإيداجا هاموس”.

ورصد مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة “أكليد”، تحركات للقوات الإريترية، قال إنها تعرّضت لهجمات بطائرات مسيّرة يُعتقد أن “الجيش الإثيوبي نفذها أثناء تقدمها في المنطقة”.

وأشارت تقارير، إلى أن القوات الإريترية بدأت الانسحاب من “أديجرات” بعد عبورها الحدود، فيما استهدفت ضربات جوية مركبات تقل جنودا ومعدات عسكرية، وترددت أصوات انفجارات في محيط المدينة، حيث تعكس هذه التطورات انتقال التوتر من تبادل الاتهامات السياسية إلى “احتكاكات ميدانية مباشرة” بين القوات التابعة للبلدين.

تغيّر السيطرة على مدن تيجراي

تزامنت المواجهات مع تغيّرات في السيطرة على عدد من المواقع الرئيسية في إقليم “تيجراي”، إذ أفادت تقارير، بأن القوات الحكومية الإثيوبية والقوات المتحالفة معها استعادت السيطرة على “ميكيلي”، عاصمة الإقليم، في وقت سابق من أكتوبر، بعد انسحاب قوات تيجراي منها.

كما أعلنت تقارير ميدانية، تقدم القوات الحكومية وحلفائها في مناطق أخرى، بينها “إيداجا هاموس”، بينما ظلت السيطرة على “أديجرات” محل تطورات متلاحقة عقب انسحاب القوات الإريترية منها. ولذلك “لا يُمكن الجزم باستعادة القوات الإثيوبية السيطرة الكاملة على المدينة من دون تأكيد ميداني أحدث”.

حجة “التيجراي” وذريعة الغزو العسكري

تُشير التقديرات السياسية والتحليلات الجيوسياسية المواكبة للأزمة الراهنة في “القرن الأفريقي” إلى أن، الاتهامات المتبادلة بين أديس أبابا وأسمرة تحمل في طياتها “ملامح مُخطط عسكري إثيوبي مُحتمل قد يُمهّد لغزو الأراضي الإريترية بالقوة لانتزاع منفذ بحري سيادي على البحر الأحمر”.

وتتمثل إجابة هذا التساؤل في قراءة أبعاد الموقف الميداني الحالية؛ حيث ترى إريتريا في شكوى إثيوبيا الرسمية أمام مجلس الأمن بشأن تعرّض إقليم تيجراي لتوغل إريتري مجرد “رواية مُضللة وذريعة قانونية تستخدم كغطاء سياسي لشرعنة الهجوم والوصول إلى ميناء عصب بالقوة”.

ويُعزز هذه المخاوف ما رصدته التقارير الميدانية من تحركات عسكرية مُكثفة للجيش الإثيوبي شملت “ضربات واسعة بالطائرات المسيّرة في شمال تيجراي ودفع القوات الموالية للحكومة باتجاه الحدود الشمالية”، وهو ما يُثبت ميدانيا استغلال أديس أبابا لـ”حرب تيجراي” وتصفية الحسابات الأمنية لتغيير الواقع الجيوسياسي وفرض الأمر الواقع بالقوة العسكرية، وفق “رويترز”.

أزمة إقليمية مفتوحة على احتمالات التصعيد

تضع التطورات الأخيرة القرن الأفريقي أمام “مرحلة شديدة الحساسية”، في ظل تداخل الخلافات بشأن الوصول إلى البحر الأحمر مع الصراع الداخلي في إثيوبيا والاتهامات المتبادلة بالتدخل العسكري، إذ يزيد التصعيد الدبلوماسي والتحركات الميدانية من “صعوبة احتواء الأزمة”، خصوصا مع استمرار غياب الثقة بين الطرفين.

وتؤكد إثيوبيا أن تحركاتها تأتي في إطار “حقها في الدفاع عن أراضيها”، في حين تحذّر إريتريا من أن التصعيد الإثيوبي قد يستهدف سيادتها ومصالحها البحرية، وهو ما يُفسر سبب رؤية مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية (ACPSS)، أن مسار العمليات في إقليم تيجراي، إلى جانب فاعلية التحركات الدبلوماسية، سيُؤثر في “احتمالات اتساع المواجهة”، وما إذا كانت الاشتباكات الحالية ستظل محدودة أم ستتطور إلى صراع أوسع بين البلدين.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version