الثلاثاء, سبتمبر 29

وضعت الهيئة العامة للرقابة المالية، لأول مرة، إطارًا تنظيميًا لتأسيس صناديق التحوط ومزاولة صناديق الاستثمار القائمة لهذا النشاط، بموجب القرار رقم 154 لسنة 2026 المنشور في “الوقائع المصرية”، ويأتي ذلك في توقيت تتوسع فيه أدوات سوق رأس المال المصرية، بالتوازي مع تدشين سوق المشتقات وتنظيم عمليات اقتراض الأوراق المالية بغرض البيع “الشورت سيلينج”.

وصندوق التحوط هو وعاء استثماري يجمع أموال المستثمرين ويديره مدير محترف باستخدام مجموعة واسعة من الأدوات والإستراتيجيات، من بينها شراء الأصول وبيعها على المكشوف والرافعة المالية والمشتقات والمراجحة، بهدف اقتناص فرص استثمارية وتحقيق عوائد في ظروف سوقية مختلفة.

اقرأ أيضًا:

بعد تنظيمها لأول مرة في مصر.. ما هي صناديق التحوط وكيف تستثمر فيها؟

ما الذي يجعل “التحوط” مختلفًا؟

يقول ريمون نبيل محلل أسواق المال، إن الصندوق التقليدي يعتمد في الغالب على شراء أصول والاحتفاظ بها انتظارًا لارتفاع قيمتها أو تحقيق دخل منها، بينما يملك صندوق التحوط مساحة أوسع في تصميم مركزه الاستثماري، فقد يشتري سهمًا يتوقع ارتفاعه، وفي الوقت نفسه يبيع سهمًا آخر على المكشوف لأنه يراه مبالغًا في تقييمه أو يستخدم عقدًا آجلًا للتحوط من حركة سعرية أو يقترض أموالًا لزيادة حجم مركز استثماري أو يستغل فرقًا سعريًا بين أصلين مرتبطين.

ويضيف لـ”مصراوي” أن الصندوق لا يسأل: هل البورصة سترتفع؟ وإنما يسأل: هل هذا السهم سيتفوق على سهم آخر؟ وهل سعر أصلين مرتبطين سيعود إلى مستواه الطبيعي؟ هل قرار خفض الفائدة سيخلق فرصة في السندات؟ هل صفقة استحواذ ستغير تقييم شركة؟ وهل يمكن تحقيق عائد من حركة العملة أو السلعة أو سعر الفائدة؟ وهنا تتحول مهارة مدير الصندوق إلى عنصر رئيسي في صناعة العائد.

ويذكر أن إحدى أكثر الأدوات ارتباطًا بصناديق التحوط هي البيع على المكشوف، فالصندوق يقترض ورقة مالية ثم يبيعها على أمل أن ينخفض سعرها، فيعيد شراءها بسعر أقل ويردها إلى مالكها، ويكون الفارق بعد التكاليف مصدر الربح، أما إذا ارتفع السعر بدلًا من انخفاضه فإن الخسارة قد تتسع، لأن الصندوق سيضطر إلى إعادة شراء الورقة بسعر أعلى.

اقرأ أيضًا:

لأول مرة.. الرقابة المالية تنظم نشاط صناديق التحوط وتحدد ضوابط تأسيسها

الرافعة المالية.. عندما يستثمر الصندوق بأكبر من رأسماله

يشرح أحمد سليمان الباحث في أسواق المال، الرافعة المالية، بمثال: إذا كان لدى الصندوق 100 مليون جنيه واقترض أموالًا إضافية، فإنه يصبح قادرًا على تكوين مراكز استثمارية تتجاوز رأسماله الأصلي، فإذا نجحت الإستراتيجية تتضخم العوائد على رأس المال، لكن إذا تحرك السوق في الاتجاه المعاكس تتضخم الخسائر أيضًا.

ويضيف لـ”مصراوي” أن القواعد المصرية لم تتعامل مع الرافعة باعتبارها مجرد أداة لزيادة العائد، وإنما طلبت أن تحدد نشرة الاكتتاب أو مذكرة المعلومات حدود الرافعة وطريقة احتسابها ومراقبتها وأن تفصح عن المخاطر المرتبطة بها ومنها تضاعف الخسائر وطلبات الهامش والتصفية الإجبارية والتقلبات السوقية، كما ألزمت مدير الاستثمار بمتابعة الرافعة وعدم تجاوز الحدود المحددة للصندوق.

ويذكر أن “المشتقات” هي عقود تستمد قيمتها من أصل آخر، مثل سهم أو مؤشر أو سلعة أو سعر فائدة، ويمكن استخدامها للتحوط من مخاطر معينة أو للمضاربة على حركة الأسعار أو لبناء إستراتيجية أكثر تعقيدًا.

اقرأ أيضًا:

صناديق التحوط تقلص رهاناتها على الذهب لأدنى مستوى في 15 أسبوعًا

كيف تحقق صناديق التحوط أرباحها؟

تقول عائشة نويتو خبيرة أسواق المال، إن الصندوق قد يحقق عائده من ارتفاع أصل اشتراه أو من انخفاض أصل باعه على المكشوف أو من فروق أسعار بين أدوات مترابطة أو من تحركات أسعار الفائدة والعملات والسلع أو من أحداث تخص شركة مثل الاستحواذ وإعادة الهيكلة والإفلاس.

وتضيف لـ”مصراوي” أن الإستراتيجيات تختلف جذريًا في مصادر المخاطر والعوائد، فالصندوق العالمي الكلي مثلًا يعتمد على الاقتصاد والسياسات النقدية والأسواق العالمية، بينما يركز صندوق القيمة النسبية على فروق التسعير، وصندوق الأحداث على تحولات مرتبطة بشركات أو صفقات محددة.

وتذكر أن من النماذج المهمة عالميًا الصندوق متعدد الإستراتيجيات، إذ لا يضع كل أمواله في رهان واحد، فقد يخصص جزءًا لإستراتيجية الأسهم، وآخر للمراجحة، وآخر للائتمان أو المشتقات، ويعيد توزيع رأس المال حسب الفرص والمخاطر.

اقرأ أيضًا:

صناديق التحوط تتخارج جزئيًا من الفضة قبل حسم ملف الرسوم الجمركية

لماذا قد يحتاج مستثمر إلى صندوق تحوط؟

يقول ريمون نبيل إن الدافع ليس بالضرورة البحث عن أعلى عائد ممكن، وإنما قد يكون إضافة مصدر مختلف للعائد إلى المحفظة، فإذا كانت معظم أموال المستثمر مرتبطة باتجاه الأسهم فقد يبحث عن إستراتيجية تستطيع تحقيق عائد من فروق الأسعار أو من تحركات أسعار الفائدة أو العملات أو من مراكز قصيرة، ولهذا تستخدم المؤسسات الاستثمارية الكبرى صناديق التحوط ضمن محافظ أكثر تنوعًا بهدف إدارة المخاطر وتنويع مصادر العائد.

ويضيف أن “التنويع لا يعني “الأمان”، فقد يكون الصندوق أقل ارتباطًا بالسوق في بعض الفترات، لكنه يستطيع في المقابل أن يتعرض لخسائر كبيرة نتيجة الرافعة أو نقص السيولة أو خطأ النموذج الاستثماري.

اقرأ أيضًا:

أسعار وثائق استثمار صناديق الذهب بمصر تهبط 4.7% خلال شهر

أين تكمن الخطورة؟

يقول أحمد سليمان، إن الخطر في صندوق التحوط لا يأتي من أصل واحد، بل من تركيب الإستراتيجية نفسها، فالرافعة قد تضخم الخسائر، والشورت سيلينج قد يؤدي إلى خسائر كبيرة إذا ارتفع الأصل بدلًا من هبوطه، والمشتقات قد تجعل قيمة المركز أكثر حساسية لحركة الأصل الأساسي، بينما يمكن أن تؤدي الأصول الأقل سيولة إلى صعوبة الخروج في الوقت المناسب.

ويضيف أن ثمة مخاطر أخرى، مثل “مخاطر الطرف المقابل” خصوصًا في عمليات إقراض واقتراض الأوراق المالية والمشتقات، بجانب مخاطر التركّز، ومخاطر التقييم، ومخاطر النماذج الكمية، ومخاطر السيولة وطلبات الهامش.

ويشرح: إذا كان الصندوق يستثمر في أصل لا يمكن بيعه بسهولة، فلا يستطيع مديره بالضرورة تلبية طلبات استرداد ضخمة في أي لحظة دون التأثير في قيمة المحفظة، لذلك قد تتضمن بعض صناديق التحوط فترات حجز، ومواعيد محددة للاسترداد، وشروطًا لتأجيل أو تعليق الاستردادات.

ويعلق: التنظيم المصري يعالج هذه المسألة صراحة، إذ يشترط أن تتضمن السياسة الاستثمارية سياسة إدارة السيولة وآلية تلبية طلبات الاسترداد والحالات التي يجوز فيها تعليق أو تأجيل الاسترداد.

وتشتهر صناعة صناديق التحوط عالميًا بنموذج تقليدي يعرف باسم 2 و20، أي نحو 2% رسوم إدارة ونحو 20% من الأرباح رسوم أداء، وإن كانت هياكل الرسوم الفعلية تختلف بين الصناديق والأسواق والاستراتيجيات، إلا أن رسوم أي صندوق مصري ستكون مسألة ينبغي الرجوع فيها إلى نشرة الاكتتاب أو مذكرة المعلومات المعتمدة الخاصة به.

لماذا الآن في مصر؟

خلال 2026، تحركت البنية التنظيمية في اتجاه توسيع أدوات السوق، وبدأ تدشين سوق المشتقات ثم صدرت قواعد تنظيم الشورت سيلينج بالتوازي مع تنظيم صناديق التحوط، إذ تقول “الرقابة المالية” إن هذه الأدوات تستهدف توسيع وتعميق السوق ورفع السيولة وكفاءة التسعير.

ومن هذه الزاوية، كما تقول عائشة نويتو، إن صندوق التحوط ليس منتجًا منفصلًا عن البورصة المصرية، فهو مستخدم محتمل لمجموعة الأدوات الجديدة، فكلما اتسعت سوق المشتقات وأصبح الشورت سيلينج قابلًا للتطبيق الفعلي زادت مساحة الإستراتيجيات التي يستطيع هذا النوع من الصناديق استخدامها.

وتضيف أن ذلك لا يعني تحول البورصة إلى “وول ستريت”، فوجود الإطار القانوني لا يعني تلقائيًا ظهور عدد كبير من صناديق التحوط أو تدفق مليارات الجنيهات إليها، كما أن نجاح التجربة سيتوقف على وجود مديري استثمار لديهم الخبرة المتخصصة وبنية تداول وحفظ وإقراض ومشتقات قادرة على خدمة هذه الإستراتيجيات وسيولة كافية في الأدوات محل الاستثمار وقاعدة مستثمرين مناسبة إضافة إلى قدرة السوق على توفير بيانات وتسعير موثوقين.

ختامًا، دخول صناديق التحوط إلى السوق المصرية لا يعني ببساطة إضافة صندوق جديد إلى قائمة صناديق الاستثمار، بل يعني إتاحة نموذج أكثر تعقيدًا في إدارة الأموال، يستطيع استخدام المراكز القصيرة والمشتقات والرافعة والمراجحة وإستراتيجيات متعددة بدل الاعتماد على اتجاه واحد للسوق.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version