تكشف معطيات المشهد الميداني والسياسي عن مفارقة حادة تتمثل في استمرار تمسك طهران بمواقفها الاستراتيجية دون إظهار أي علامات تراجع أو رضوخ، على الرغم من وطأة الحصار الاقتصادي الذي تقوده واشنطن وتسببه في هبوط الإنتاج النفطي إلى النصف وتجميد الصادرات البحرية.
ووفقا لشبكة “سي إن إن”، يراهن النظام الإيراني على خبرة 5 عقود من التعايش مع العقوبات وإخماد الثورات الداخلية، مستفيدا من تحول التكلفة الباهظة للعمليات الأمريكية إلى عبء سياسي ومالي يستنزف الخصوم.
وفي الوقت الراهن، أوشكت مخزونات النفط الإيراني القابلة للبيع على النفاد، وتراجع الإنتاج الخام بنسبة 50%، ونضوب المصدر الأساسي للإيرادات العامة في ظل انهيار مالي وتضخم مفرط، في وقت استعاد فيه تدفق النفط من دول الخليج الأخرى عبر مضيق هرمز طبيعته المعتادة بعد أن كانت طهران تمارس نفوذا واسعا على الممر المائي.
ورغم ذلك، ترفض القيادة الإيرانية تقديم أي تنازلات بشأن برنامجها النووي، وتتعثر مفاوضات حرية الملاحة عبر مضيق هرمز بصورة متكررة، مستندة إلى قدرتها على إدارة الوضع الداخلي عبر إجراءات مشددة أخمدت الاحتجاجات الشعبية، وإدراكها أن كلفة المراقبة والحصار تحول الوضع الراهن إلى عبء ثقيل على الإدارة الأمريكية.
أبعاد الحصار وتحدي صمود إيران أمام العقوبات
أظهرت بيانات خدمة تتبع الملاحة البحرية “كبلر”، أن سبتمبر الماضي مثل سابقة هي الأولى من نوعها؛ إذ لم تشحن إيران أي كميات من النفط الخام من موانئها منذ بدء رصد الصادرات عام 2013، حيث سجلت آخر عملية تحميل ناجحة للناقلات في 25 أغسطس.
وأوضحت البيانات أن كميات النفط الخام المتبقية خارج نطاق الحصار الأمريكي انخفضت إلى 45 مليون برميل فقط بعد أن كانت 100 مليون برميل في يوليو، ما يرجح نفاد المخزون القابل للبيع بالكامل بحلول نهاية أكتوبر إذا استمر البيع بالوتيرة الحالية.
وأشار مدير أبحاث السلع الأساسية في شركة “كبلر” مات سميث، إلى أن حرمان طهران من منافذ البيع أدى إلى تراكم النفط المستخرج في المخازن البرية ليصل إلى 70 مليون برميل، مقتربا من الذروة التاريخية المسجلة إبان تفشي الجائحة، في وقت تراجع فيه الإنتاج الكلي بمقدار النصف مقارنة بمستويات ما قبل الحرب ليستقر عند مليوني برميل يوميا، وهي حصيلة تكفي بالكاد لتغطية الاستهلاك المحلي الداخلي.
مؤشرات الاقتصاد ومحددات صمود إيران أمام العقوبات
تعكس الأرقام الرسمية الإيرانية عمق الضرر؛ إذ انكمش الاقتصاد بمعدل سنوي بلغ 10% في الفترة ما بين مارس ويونيو، وقفز التضخم السنوي إلى 90% الشهر الماضي بمتوسط سنوي استقر عند 73%، مسجلا أعلى مستوى له منذ الحرب العالمية الثانية.
ولفت الزميل الأول في معهد “بيترسون” للاقتصاد الدولي عدنان مزاري، إلى أن الإيرانيين يلجؤون إلى إنفاق السيولة النقدية فورا على متطلبات المعيشة الأساسية بمجرد قبضها لتفادي الهبوط المتسارع لقيمتها الشرائية، في حين عجزت الحكومة عن تمويل نفسها فلجأت إلى طباعة النقود، ما فاقم التضخم.
وإلى جانب ذلك، تسبب تقليص الواردات في إغلاق واسع للمصانع وارتفاع غير مسبوق للبطالة؛ وهي حقائق تتقاطع مع إقرار أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي بأن الوضع الاقتصادي الراهن يعد من بين الأكثر سوءا في تاريخ البلاد وفق ما بثته وكالة “تسنيم”.
ومع ذلك، أكد مزاري أنه لا توجد نقطة حرجة محددة يمكن عندها إعلان وفاة الاقتصاد قياسا على حرارة المريض، موضحا أن النظام السياسي والإجراءات الأمنية الصارمة يوفران حماية من التداعيات الشعبية للدمار الاقتصادي، بالنظر إلى امتلاك السلطات صبرا وتحملا هائلين لمعاناة السكان وتاريخا عريضا في الالتفاف على القيود.
شبكات الالتفاف وركائز صمود إيران أمام العقوبات
أفرزت حملة “المنبوذ الاقتصادي” التي تقودها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغوطا شديدة ألزمت الحكومات الدولية بالتعامل بحزم مع القيود.
وكشف كبير المستشارين في منظمة “متحدون ضد إيران النووية” تشارلي براون، في تصريحات لصحيفة “وول ستريت جورنال”، أن عشرات الناقلات الإيرانية ظلت عالقة قبالة سواحل سريلانكا ورُفض تزويدها بالمساعدات الإنسانية رغم نداءات الاستغاثة المتكررة خوفا من التعرض للملاحقة الأمريكية والغربية.
وفي المقابل، رأت رئيسة قسم السياسات والمخاطر الجيوسياسية في شركة “كبلر” ميشيل بروهارد، أن استمرار العمليات يبرهن على امتلاك طهران شبكات التفاف متطورة ومهارة في إدارة الدولة دون موارد وتلقي تدفقات مالية تمنع وصولها إلى نقطة الانهيار الحاسم.
وأوضح براون أن هذه الأساليب تشمل نقل النفط برا إلى كازاخستان وروسيا أو بحرا عبر بحر قزوين، وتمويه الشحنات بخلطها وإظهارها كنفط عراقي، ونقل الخام بين السفن لإخراجه من المضيق، فضلا عن تشغيل وكلاء سريين في دول مجاورة لإتمام معاملات مالية بالدولار والعملات المشفرة لتفادي الرصد.
وتطرقت بروهارد إلى فرضية قيام بعض مصدري النفط في الخليج بدفع رسوم سرية وضريبة أمنية لإيران مقابل المرور الآمن لسفنهم عبر مضيق هرمز رغم الحراسة العسكرية الأمريكية، مشيرة إلى أن استهداف بعض الناقلات ارتبط برفضها سداد تلك الرسوم.
كلفة الاستنزاف ومستقبل صمود إيران أمام العقوبات
تفرض هذه المواجهة كلفة مالية باهظة على الأطراف كافة؛ فالبحرية الأمريكية تخصص قدرات عسكرية ضخمة للحصار وبرامج المرافقة تكلف دافع الضرائب عشرات المليارات في ظل بلوغ أسعار الوقود مستويات مرتفعة، بينما يتحمل منتجو النفط أعباء استئجار وتأمين قياسية؛ حيث بينت بيانات شركة “كلاركسونز” للشحن أن تكلفة تشغيل ناقلة النفط الخام العملاقة وصلت إلى 1.6 مليون دولار يوميا، وهو ما يوازي 24 ضعف التكلفة المسجلة لعام 2025.
وأوضحت بروهارد أن هذه التكاليف تذهب إلى شركات التأمين وتتحملها الأسواق، ما يجعل هذا الواقع المكلف دافعا لطهران للمراهنة على عامل الوقت وانتظار انقضاء ولاية إدارة ترامب، أملا في أن تفوق قدرتها على التحمل استعداد واشنطن لمواصلة الإنفاق العسكري الباهظ، وهو ما جعل مزاري يخلص إلى أن المنطقة ستبقى على شفا حرب ممتدة لفترة طويلة دون تنازلات سريعة.
المصدر: مصراوي

