الإثنين, أكتوبر 5

كشف المركز المصري للدراسات الاقتصادية عن فجوة كبيرة بين حجم الإمكانات التي تتيحها السوق الأفريقية وبين استفادة مصر الفعلية منها، رغم وصول الصادرات المصرية إلى دول الاتحاد الأفريقي إلى 7.73 مليار دولار في 2025، مقابل واردات بلغت 1.57 مليار دولار فقط، محذرًا من أن الفائض التجاري الحالي يستند إلى قاعدة محدودة من المنتجات والأسواق ولا يعكس اندماجًا حقيقيًا في سلاسل القيمة الأفريقية.

وأوضح المركز، أن أفريقيا تمثل سوقًا تقدر مساهمة منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية فيها بنحو 3.4 تريليون دولار، فيما يُتوقع نمو اقتصاد القارة بنحو 4.2% خلال 2026، على أن يرتفع إلى 4.4% في 2027، كما ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى أفريقيا 75% خلال 2024 إلى مستوى قياسي بلغ 97 مليار دولار، بما يعكس تنامي جاذبية السوق القارية.

وحسب التقرير، سجلت صادرات مصر إلى أفريقيا 7.6 مليار دولار في 2024، قبل ارتفاعها إلى 7.73 مليار دولار في 2025، في حين تراجعت الواردات المصرية من القارة من 2.1 مليار دولار إلى 1.57 مليار دولار خلال الفترة نفسها.

وتكشف تركيبة التجارة عن تركز شديد، إذ استحوذت 5 دول في شمال أفريقيا على 69.1% من الصادرات المصرية في 2024، بقيادة ليبيا بقيمة 2 مليار دولار، ثم المغرب 1.1 مليار دولار، والجزائر مليار دولار، والسودان 884 مليون دولار، وتونس 369 مليون دولار.

في المقابل، جاءت 80.7% من الواردات المصرية من أفريقيا من 5 دول فقط، تصدرتها جمهورية الكونغو الديمقراطية بـ662 مليون دولار، ثم السودان بـ293 مليونًا، وكينيا بـ260 مليونًا، ونيجيريا بـ165 مليونًا، وجنوب أفريقيا بـ158 مليون دولار.

ويرى المركز أن المشكلة لا تكمن في ضعف الفائض التجاري، بقدر ما تكشفه تركيبته؛ فالصادرات تعتمد بدرجة كبيرة على منتجات صناعية منخفضة القيمة المضافة، بينما تتركز الواردات في المواد الخام، وعلى رأسها النحاس المكرر وكاثودات النحاس بقيمة 742 مليون دولار، إلى جانب القهوة والشاي والتوابل بـ287 مليون دولار، والوقود والزيوت المعدنية بـ204 ملايين دولار، والماشية بـ148 مليون دولار.

مصر ثالث أكبر مصدر داخل أفريقيا.. لكنها تتراجع في الواردات

احتلت مصر المركز الثالث بين الدول الأفريقية في الصادرات البينية خلال 2024 بحصة 6.62%، خلف جنوب أفريقيا 27.1% وغانا 7.32%، وحافظت على المركز الثالث في 2025 بحصة 6.46%.

لكن الصورة تنقلب في الواردات، إذ جاءت مصر في المركز الخامس عشر عام 2024 بحصة 2.26% من الواردات البينية الأفريقية، قبل أن تتراجع إلى المركز التاسع عشر في 2025 بحصة 1.67%، بينما تصدرت جنوب أفريقيا القائمة بحصة 12.53% في 2024.

ويعني ذلك، وفق قراءة المركز، أن مصر نجحت نسبيًا في بناء مركز تصديري داخل القارة، لكنها لم تتحول بالقدر نفسه إلى مركز للاستفادة من الموارد والأسواق الأفريقية عبر الاستثمار والتصنيع المشترك.

مصر لا تعرف بدقة حجم استثماراتها في أفريقيا

ويشير التقرير إلى أن غياب إحصاءات رسمية موثوقة ومتكاملة ومحدثة عن الاستثمارات المصرية المباشرة في الخارج يمثل أحد أبرز العوائق أمام قياس الحضور الاستثماري المصري في أفريقيا، إذ تعتمد البيانات المتاحة إلى حد كبير على أرقام تراكمية ومشروعات ومبادرات فردية.

ومع ذلك، يبرز المركز قدرات الشركات المصرية في تنفيذ مشروعات ضخمة ومعقدة، مستشهدًا بمشروع سد ومحطة جوليوس نيريري الكهرومائية في تنزانيا بتكلفة 2.9 مليار دولار، والذي نفذه تحالف يضم المقاولون العرب والسويدي إليكتريك، بدعم من تسهيلات وضمانات أفريكسيم بنك والبنوك المصرية.

كما يشير إلى مدينة السويدي الصناعية في كيباها بتنزانيا، الممتدة على أكثر من 2.6 مليون متر مربع، باستثمارات رأسمالية متوقعة تتجاوز 400 مليون دولار، وبطاقة مستهدفة تصل إلى نحو 200 مصنع.

من مقاول مصري إلى شريك في الاقتصاد الأفريقي

ويطرح المركز تغييرًا جوهريًا في نموذج التوسع المصري بأفريقيا، يتمثل في الانتقال من مجرد تنفيذ المشروعات وتسليمها إلى امتلاك وتشغيل الأصول وبناء سلاسل قيمة إقليمية متكاملة.

ويشمل ذلك عقود التشغيل والصيانة طويلة الأجل، والمشاركة في ملكية الأصول، وإدارة الأصول رقميًا، وصيانة المعدات، وإنشاء أكاديميات لتدريب العمالة المحلية.

ويقدم التقرير نموذجًا عمليًا في قطاع الكهرباء، حيث لا تقتصر عقود إنشاء محطات التوليد أو النقل على الأعمال الإنشائية، وإنما تمتد إلى تجميع المواد الخام محليًا، وتصنيع لوحات التوزيع والحماية والكابلات وأنظمة القياس الرقمية، وتدريب الكوادر المحلية، بما يحول المشروع من عقد مؤقت إلى منظومة مستمرة من الخدمات والتوريد.

كما يقترح إنشاء مراكز تصنيع إقليمية في دول تمثل بوابات للأسواق المجاورة، مثل تنزانيا وكينيا شرقًا، وغانا ونيجيريا وكوت ديفوار غربًا، ورواندا والكونغو الديمقراطية وسط القارة، مع توزيع مراحل الإنتاج بين مصادر الخامات ومراكز التصنيع والأسواق النهائية، بما يخفض تكاليف النقل والشحن والتعبئة.

وترى الدراسة الفرصة المصرية، تتمثل في الفرص الآتية:

1- مواد البناء.. من تصدير الأسمنت إلى التصنيع داخل أفريقيا

تمتلك الشركات المصرية طاقات إنتاجية كبيرة في الأسمنت والسيراميك وحديد التسليح والبلاستيك ومواد العزل والزجاج المسطح، بينما تواجه أفريقيا عجزًا سكنيًا يتجاوز 50 مليون وحدة، إلى جانب احتياجات ضخمة للطرق والموانئ في أفريقيا جنوب الصحراء.

ويقترح المركز إنشاء مصانع مصرية لإنتاج مكونات البناء داخل الأسواق الأفريقية، بدلًا من شحن منتجات نهائية ثقيلة مثل الأسمنت، بما يخفض تكلفة النقل ويزيد القيمة المضافة محليًا.

2- الزراعة والأسمدة والري.. استثمار في أرض أفريقية غير مستغلة

تمتلك أفريقيا نحو 60% من الأراضي الصالحة للزراعة غير المستغلة عالميًا، لكنها تعاني عجزًا مزمنًا في الأمن الغذائي، فيما يقل متوسط استخدام الأسمدة عن 20 كيلوجرامًا للهكتار مقابل 135 كيلوجرامًا عالميًا.

وهنا يقترح المركز التوسع في الزراعة التعاقدية بشرق ووسط أفريقيا لإنتاج الحبوب والبذور الزيتية، بالاستفادة من تكنولوجيا البذور المصرية، بالتوازي مع إنشاء مصانع إقليمية للأسمدة المخصصة.

3- الدواء.. سوق تستورد أكثر من 80% من احتياجاتها

تستورد أفريقيا أكثر من 80% من الأدوية التي تستهلكها و99% من اللقاحات، بتكلفة سنوية تتجاوز 14 مليار دولار.

ويرى المركز أن قاعدة التصنيع الدوائي المصرية تمثل فرصة لبناء مصانع إقليمية في شرق وغرب أفريقيا، لا تكتفي بالتصدير، وإنما تنتج وتعبئ محليًا، مع استهداف عقود التوريد الحكومية وشبكات توزيع مستحضرات التجميل.

4- الكهرباء.. 600 مليون أفريقي خارج الشبكة

يقدر التقرير عدد المحرومين من الكهرباء في أفريقيا بنحو 600 مليون شخص، مع فاقد في شبكات نقل الكهرباء يتراوح في المتوسط بين 15% و20%.

وتتيح القدرات المصرية في الكابلات والمحولات والعدادات الذكية والطاقة الشمسية فرصة لإنشاء مصانع تجميع إقليمية، وربطها بعقود الهندسة والتوريد والإنشاء والتشغيل والصيانة، بدلًا من الاقتصار على تصدير المعدات أو تنفيذ المشروع.

5- اللوجستيات.. خفض تكلفة التجارة الأفريقية

ترتفع تكاليف التجارة البينية الأفريقية بنحو 50% عن المتوسط العالمي بسبب فجوات النقل وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

ويقترح المركز استثمارات مصرية مشتركة في الموانئ الجافة والممرات اللوجستية ومرافق التخزين ذات التحكم في درجات الحرارة، وربطها بخطوط التغذية البحرية المصرية، بما يقلل عمليات إعادة الشحن عبر مراكز متعددة.

6- المدفوعات الرقمية.. 960 مليون أفريقي خارج الإنترنت رغم التغطية

يوجد نحو 960 مليون شخص، أي 64% من سكان أفريقيا، ضمن نطاق تغطية شبكات الاتصالات لكنهم لا يستخدمون خدمات الإنترنت، وهو ما يخلق سوقًا واسعة للأجهزة منخفضة التكلفة وخدمات الدفع والحلول الرقمية.

ويقترح المركز تصدير البرمجيات المصرية الموجهة للشركات، وبناء بنية تحتية للمدفوعات التجارية وربطها بنظام الدفع والتسوية الأفريقي PAPSS، بما يسمح بتيسير التجارة العابرة للحدود وتسويتها بالعملات المحلية.

7- المعادن.. تحويل أفريقيا من مصدر خام إلى شريك صناعي

تمتلك مصر بالفعل قناة توريد مهمة للنحاس الأفريقي، إذ بلغت وارداتها من النحاس من جمهورية الكونغو الديمقراطية 742 مليون دولار.

لكن التقرير يدعو إلى تجاوز نموذج شراء الخامات وتصديرها لمصاهر خارج القارة، نحو تكرير النحاس والكوبالت داخل الدول الأفريقية وتحويلهما إلى أسلاك صناعية وسبائك وكابلات للسيارات، بما يخلق قيمة مضافة مشتركة ويدعم توجهات منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية لتعميق التصنيع المحلي.

ويشير التقرير إلى أن تفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية بالكامل يمكن أن يرفع الدخل الإقليمي بما يصل إلى 9%، أي نحو 571 مليار دولار، ويوفر قرابة 18 مليون فرصة عمل، ما يجعل الرهان الحقيقي لمصر هو الوصول إلى سلاسل القيمة التي ستنشأ حول هذا السوق، وليس الاكتفاء بالحصة الحالية من التجارة.

ويربط المركز تحقيق ذلك بتحرك حكومي لتوفير حوافز مناسبة لمجتمع الأعمال، وبنية مالية ولوجستية كافية، وسياسات استثمار أكثر تكاملًا، إلى جانب التفاوض مع الحكومات الأفريقية لتيسير الاستثمار والتكامل الإقليمي.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version