ارتبطت “لعنة الفراعنة” لسنوات طويلة بالمقابر المصرية القديمة، وسط اعتقاد بأنها كانت وسيلة لحماية المقابر من اقتحامها أو العبث بها، لكن لا يوجد دليل أثري موثوق يثبت وجود لعنة خارقة، بينما تشير الأدلة إلى أن المصري القديم استخدم عبارات تحذيرية ونصوصا تهديدية لحماية حرمة المقابر وردع اللصوص.
وتحولت هذه التحذيرات لاحقا إلى أسطورة عالمية، خاصة بعد اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون عام 1922، وما صاحب الاكتشاف من قصص عن وفيات وظروف غامضة ربطتها الصحافة بـ”لعنة الفراعنة”.
وأوضح محمد خميس، الباحث في الآثار والمرشد السياحي، أن الغموض شيء، وصناعة الخرافة شيء آخر تماما.
غموض الإنجاز لا سحر المقابر
وأكد خميس، في تصريحات لـ”مصراوي”، أن الحضارة المصرية القديمة لم تكن حضارة غامضة لأنها “سحرية”، بل لأنها كانت متقدمة على عصرها، وقال: “المصري القديم أنجز حاجات عظيمة جدا، لكنه ما سجلش كل التفاصيل التقنية، وده خلى اللي جه بعده يحتار، والحيرة تحولت مع الوقت لأسطورة”.
وأوضح أن عدم فهم كيفية إنجاز المصريين القدماء لهذه الأعمال لا يعني استحالة التفسير العلمي، بل يعكس فجوة معرفية يعمل الباحثون على سدها حتى اليوم.
كيف صنعت الصحافة الغربية اللعنة؟
بحسب خميس، لعبت الصحافة الغربية دورا في تضخيم فكرة اللعنة، لأنها مادة جذابة وسهلة التسويق، ومع ظهور السينما تحولت الفكرة إلى “علامة تجارية” تستخدم في الأفلام والروايات، قبل أن تنتقل إلى الإعلام العربي الذي أعاد تداولها دون تمحيص.
الحقيقة داخل المقابر
ينفي الباحث في الآثار وجود أي دليل أثري يؤكد ما يعرف بـ”لعنة الفراعنة”، مشددا على أن وسائل حماية المقابر كانت هندسية ومعمارية، وليست سحرية.
وتساءل: “إزاي حضارة بنت الأهرامات بدقة مذهلة، تعجز عن حماية مقابرها إلا بالطلاسم؟”.
ويؤكد خميس أن العاملين في مجال الآثار لا يخشون المقابر، معتبرا أن الخوف نتاج تراكم سينمائي وثقافي، وقال: “أنا ما قابلتش أثري واحد خايف من اللعنة”.
لماذا نحب الخرافة؟
يرى خميس أن بعض الجمهور يميل بطبيعته إلى الأفكار الغرائبية، بينما تستغل بعض المنصات الإعلامية هذا الميل لتحقيق نسب مشاهدة أعلى.
ويعترف بأن الغموض قد يجذب السائحين بدافع الفضول، لكنه يحذر من اختزال الحضارة في أسطورة.
ويختتم خميس حديثه قائلا: “اللي عايز يصدق الخرافة حر، لكن اللي عايز يفهم الحضارة لازم يرجع للعلم”.
ومن جانبه، يقول أحمد عامر، الخبير الأثري والمتخصص في علم المصريات، إن ما يعرف بـ”لعنة الفراعنة” لا يعدو كونه مفهوما خرافيا لا يستند إلى دليل علمي أو نص أثري موثوق.
من أين بدأت الحكاية؟
يقول عامر إن فكرة اللعنة ارتبطت في بداياتها بسارقي المقابر الأثرية، الذين كان دافعهم الأساسي الثراء السريع، وقد استخدم المصري القديم عبارات تهديدية ونصوصا تحذيرية على جدران المقابر، ليس بدافع السحر، ولكن لترهيب اللصوص وحماية حرمة الموتى، إيمانا بعقيدة البعث والحياة الأخرى.
قبل توت عنخ آمون
يشير عامر إلى واقعة العالم الألماني تيودور بلهارز، الذي أصيب بحمى غامضة بعد تعامله مع مومياء خلال أعمال الحفر، وقبل أن يسجل اكتشافه العلمي حول مرض البلهارسيا الذي أصاب المصريين القدماء. وفتحت هذه الواقعة الباب أمام ربط المرض بالمومياء وظهور خرافات عن “انتقام الموتى”.
وبلغت الأسطورة ذروتها بعد اكتشاف مقبرة الملك توت عنخ آمون على يد العالم البريطاني هوارد كارتر عام 1922، بتمويل من اللورد كارنافون.
وساهم العثور على عبارات تهديدية داخل المقبرة، مثل: “سيضرب الموت بجناحيه السامين كل من يعكر صفو الملك”، في تأجيج الخيال الشعبي.
وتعززت الأسطورة بعد وفاة اللورد كارنافون بحمى غامضة، ثم توالي وفيات عدد من المرتبطين بالاكتشاف، ما دفع الصحافة العالمية آنذاك إلى تداول مصطلح “لعنة الفراعنة”.
ويشير عامر إلى أن علماء الأحياء والآثار، ومنهم الدكتور عز الدين طه عام 1962، نفوا وجود أي لعنة، مرجحين أن تكون أسباب الوفاة ناتجة عن بكتيريا وفطريات وسموم نشطة داخل المقابر المغلقة لآلاف السنين.
كما يستشهد بتصريحات الدكتور جمال محرز عام 1972، الذي قال: “قضيت عمري بين التوابيت والمومياوات ولم يحدث لي شيء”، مؤكدا أن العلم لم يثبت وجود لعنة خارقة.
اقرأ أيضًا:

