توقع خبراء تحدثوا لـ مصراوي أن يمثل استمرار ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية ضغطًا إضافيًا على الأسواق الناشئة، ومنها مصر، عبر عدة قنوات تبدأ من حركة رؤوس الأموال وقوة الدولار وتمتد إلى سعر الصرف وتكلفة التمويل وأسعار الفائدة المحلية.
ويرى الخبراء أن السيناريو الأكثر ضغطًا على مصر سيكون في حال اقتران الفائدة الأمريكية المرتفعة مع استمرار قوة الدولار وصعود عوائد سندات الخزانة، بما قد يعيد ترتيب المحافظ الاستثمارية العالمية ويزيد حساسية عملات الأسواق الناشئة وتكلفة الاقتراض الخارجي.
ولم يعد سيناريو عودة أسعار الفائدة الأمريكية إلى مستويات تتجاوز 5% مجرد احتمال بعيد في حسابات الأسواق، بعدما حذر إستراتيجيو بنك أوف أمريكا من أن دورة التشديد النقدي التي بدأها مجلس الاحتياطي الفيدرالي، مع إمكانية عودة سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية إلى مستويات دورة الرفع السابقة التي بلغت ذروتها عند 5.5% خلال 2022 و2023.
ويأتي هذا التحذير بعد أن رفع “الفيدرالي” سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في سبتمبر الجاري إلى نطاق 3.75% و4%، بينما تشير توقعات مسئوليه إلى زيادة أخرى خلال العام، في وقت يرى فيه فريق الاقتصاد الأمريكي في “بنك أوف أمريكا” إمكانية تنفيذ زيادتين إضافيتين في أكتوبر وديسمبر.
السوق يقلل حجم الرفع المقبل
يرى فريق إستراتيجيات أسعار الفائدة في “بنك أوف أمريكا”، أن أسواق الفائدة لا تزال تقلل من تقديرها لنهاية دورة الرفع الحالية، إذ تسعر عقود المقايضة نحو 3 زيادات إضافية بواقع 25 نقطة أساس، بما يدفع سعر الفائدة الفعلي على الأموال الفيدرالية إلى نطاق 4.5%-4.75%، بينما يرى البنك إمكانية عودة تكلفة الاقتراض لليلة واحدة إلى مستويات تتجاوز 5%.
ولا يقتصر تصور البنك على سعر الفائدة الأساسي، إذ يتوقع فريقه ارتفاع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين إلى نحو 5% خلال العام الحالي، مقابل نحو 4.7% وقت صدور التحليل، مع الإشارة إلى إمكانية بلوغ العائد المستهدف نحو 5.25% في سيناريو أكثر تشددًا.
لماذا لا يتوقف الأمر عند أمريكا؟
قال الدكتور رشاد عبده رئيس المنتدى الاقتصادي المصري، إن مشكلة الأسواق الناشئة لا تكمن فقط في رقم الفائدة الأمريكية، وإنما في ما يفعله هذا الرقم بالدولار وتدفقات رؤوس الأموال العالمية.
وأشار إلى أن ارتفاع عوائد الأصول الأمريكية إنما يجعل الأصول المقومة بالدولار أكثر قدرة على جذب المستثمرين خصوصًا إذا ارتفعت معها عوائد سندات الخزانة الأمريكية وانخفضت جاذبية الأصول ذات المخاطر الأعلى.
وأضاف لـ مصراوي أن هذه القناة تصبح مهمة بصورة خاصة لمصر، معللًا بأن جزءًا من تدفقات الاستثمار الأجنبي في أدوات الدين الحكومية يعتمد على فارق العائد بين الأصول المصرية والأمريكية بجانب تقييم المستثمر لمخاطر سعر الصرف والاقتصاد الكلي.
يظهر حجم هذه الحساسية في بيانات صندوق النقد الدولي، إذ ارتفع رصيد حيازات الأجانب من أدوات الدين الحكومية المصرية بالعملة المحلية إلى 38.1 مليار دولار في يناير 2026، بزيادة 5.3 مليار دولار أو 16% على أساس شهري، وكانت أذون الخزانة تمثل نحو 74% من هذا الرصيد.
الجنيه.. أول خطوط انتقال الصدمة
من ناحيتها، تقول الدكتورة شيماء وجيه أستاذة الاقتصاد، إن استمرار العوائد الأمريكية في الصعود ستؤدي إلى إعادة توزيع المحافظ العالمية نحو الدولار، فقد تتعرض عملات الأسواق الناشئة لضغوط، ومنها الجنيه المصري.
وأضافت لـ مصراوي أن ذلك لا يعني أن رفع الفائدة الأمريكية سيؤدي تلقائيًا إلى انخفاض محدد في سعر الجنيه، لكن تجربة مصر خلال الأزمات الخارجية الأخيرة توضح حساسية سعر الصرف لتحركات رؤوس الأموال.
يشير صندوق النقد الدولي إلى أن تدفقات رؤوس الأموال الخارجة خلال تصاعد التوترات الإقليمية في 2026 ضغطت على الجنيه، كما سجل سعر الصرف انخفاضًا بنحو 10.2% أمام الدولار في مارس 2026 وفق تقديرات الصندوق، فيما أظهرت تقديرات أخرى للصندوق انخفاضًا أكبر خلال ذروة الأزمة قبل أن يتحسن السعر مع تحسن الظروف الخارجية.
يمثل سعر الصرف قناة انتقال مباشرة من الأسواق العالمية إلى الأسعار المحلية؛ إذ يقدر صندوق النقد الدولي، استنادًا إلى تقديرات البنك المركزي المصري، أن انخفاض قيمة سعر الصرف بنسبة 1% يمكن أن يرفع التضخم العام بنحو 0.15 إلى 0.20 نقطة مئوية في المتوسط على مدى عام، مع اختلاف التأثير وفق ظروف الاقتصاد ونظام سعر الصرف.
الفائدة الأمريكية تضع المركزي أمام معادلة أصعب
قال الدكتور خالد الشافعي رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، إن ارتفاع الفائدة الأمريكية لا يعني أن البنك المركزي المصري سيضطر إلى رفع الفائدة بنفس النسبة، لكن استمرار صعود العائد الأمريكي قد يجعل الحفاظ على جاذبية الأصول المصرية أكثر تحديًا.
وأضاف لـ مصراوي أن البنك المركزي المصري يوازن بين عدة اعتبارات في الوقت نفسه: التضخم، وسعر الصرف، وتدفقات النقد الأجنبي، وحركة رؤوس الأموال، والنشاط الاقتصادي، ولهذا، فإن ارتفاع الفائدة الأمريكية إلى مستويات فوق 5% قد يحد من مساحة خفض الفائدة المصرية إذا تزامن مع ضغوط على الجنيه أو خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية من أدوات الدين المحلية.
يشير صندوق النقد الدولي إلى أن ارتفاع أسعار الفائدة العالمية وقوة الدولار يمثلان أحد المخاطر الخارجية التي يمكن أن تؤدي إلى خروج رؤوس أموال وارتفاع علاوة المخاطر وتراجع النمو وارتفاع تكاليف التمويل في مصر.
الدين العام يدخل المعادلة
الدكتور رشاد عبده يقول إن الضغط المحتمل لا يتوقف عند سوق الصرف أو الاستثمارات الأجنبية، وإنما يمتد إلى تكلفة التمويل، إذ إن ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا يعني أن الحكومات والأسواق الناشئة التي تحتاج الاقتراض أو إعادة تمويل التزامات خارجية قد تواجه بيئة تمويل أكثر تكلفة.
وأضاف أن زيادة أهمية ذلك لمصر في ظل ارتفاع الاحتياجات التمويلية الحكومية، إذ يربط صندوق النقد الدولي بين ارتفاع أسعار الفائدة العالمية وارتفاع تكاليف الاقتراض وبين زيادة أعباء الفائدة والضغوط على المالية العامة.
وأشار إلى أن استمرار الفائدة الأمريكية عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة قد يعني لمصر تكلفة أعلى للحصول على التمويل الجديد وضغوطًا أكبر على إدارة الدين ومساحة أضيق أمام خفض أسعار الفائدة المحلية إذا استدعت الظروف ذلك.
أشار صندوق النقد الدولي في يوليو 2026 إلى تحسن وضع الاقتصاد المصري مقارنة بفترات سابقة من الضغوط الخارجية، مدعومًا بنمو الاقتصاد وارتفاع الاحتياطيات وتدفقات التحويلات، مع التأكيد في الوقت نفسه على أهمية استمرار مرونة سعر الصرف وبناء الاحتياطيات لامتصاص الصدمات.
وأصبحت مرونة سعر الصرف في إطار السياسة الاقتصادية المصرية خط الدفاع الأول أمام الصدمات الخارجية وتقلبات تدفقات رؤوس الأموال، حسب ما أورده صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير عن مصر.
وترى الدكتورة شيماء وجيه، أن انتقال أثر الفائدة الأمريكية المرتفعة إلى مصر لن يكون في صورة أزمة فورية، وإنما سيعتمد على قوة التدفقات الدولارية وقدرة الاقتصاد على تعويض خروج الأموال الساخنة من خلال مصادر أخرى للنقد الأجنبي، مثل التحويلات والسياحة والاستثمار الأجنبي المباشر والصادرات.
السيناريو الأصعب.. ليس 5% وحدها
لمصر، لا تتعلق بالوصول إلى 5% في حد ذاته، وإنما بما إذا كان هذا المستوى سيأتي ضمن موجة تشديد أمريكي طويلة مصحوبة بدولار قوي وعوائد مرتفعة على سندات الخزانة، حسبما يقول الدكتور خالد الشافعي.
وأضاف أن في هذه الحالة يمكن أن تتشابك عدة قنوات هي: ارتفاع جاذبية الدولار، وضغوط على تدفقات المحافظ، وزيادة مخاطر سعر الصرف، وارتفاع تكلفة التمويل، ثم انتقال جزء من هذه الضغوط إلى التضخم والمالية العامة.


