كانت اللغة العربية من الموضوعات التي دار النقاش حولها خلال مؤتمر الهوية الوطنية المصرية المنعقد في مكتبة الإسكندرية، وكان النقاش كاشفًا عن مؤشرات عدة تدل في مجملها على تزايد استخدام اللغات الأجنبية في المجتمع، سواء الإعلانات التجارية في الشوارع الرئيسية، أو في أسماء المحلات التجارية، أو في المحادثات اليومية الشفهية أو المكتوبة.
هذه المناقشات في جوهرها تثير سؤالًا رئيسيًا يتعلق بأهمية اللغة العربية في الحفاظ على الهوية الوطنية التي هي العمود الفقري للأمن القومي المصري، ويرتكن هذا السؤال لحقيقة كون اللغة بشكل عام مكونًا رئيسيًا للهوية الوطنية إلى جانب الدين والعادات والتقاليد والتاريخ، وحاملًا لها عبر الأجيال ووسيلة تضمن الانتقال الآمن للهوية بكل مكوناتها إلى الأجيال المستقبلية، فضلًا عن كونها وسيلة لإنتاج التراث الثقافي والإبداعي الذي يعكس تطور الهوية مع تطور مستويات التنمية في المجتمع.
ويمكن مناقشة العلاقة بين اللغة العربية والحفاظ على الهوية من عدة نواحٍ. فمن ناحية، ينص الدستور المصري في مادة 2 على أن اللغة العربية هي “اللغة الرسمية” للدولة، واتساقًا مع هذا النص تصدر القوانين والقرارات الجمهورية والوزارية باللغة العربية، وتصدر الوثائق عن الاجتماعات الرسمية باللغة العربية، دون أن يقلل ذلك من أهمية اللهجة المصرية المستخدمة كلغة للتواصل المباشر بين المواطنين في مختلف السياقات والمصالح الحكومية وفي مختلف الأفلام والمسلسلات التي يتم إنتاجها على المستوى الوطني والتي تختلط في كثير من الحالات بكلمات إنجليزية يتم تعريبها أو “تمصيرها” وكلمات فرنسية وتركية، فاللهجة المصرية المعاصرة هي خليط من لغات أجنبية متعددة مع اللغة العربية، وهذا ما تفرضه اعتبارات الموقع الجغرافي والتاريخ الحضاري التي حللها تفصيلًا الأستاذ جمال حمدان في موسوعته شخصية مصر وعبقرية المكان.
من ناحية ثانية، إن انفتاح مصر على العالم وكونها جغرافيًا تقع في قلب مسارات التحركات البشرية لأغراض السياحة والهجرة والاستثمار والتجارة، جعل منها وجهة مفضلة لعديد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة وللتدفقات السياحية. فوفق مؤشر كوف للعولمة KOF Globalisation Index في آخر نسخة له تحتل مصر الترتيب 76 من حيث تفاعلها مع العولمة بمختلف مجالاتها، وفي مجال العولمة الاقتصادية التي تعنى بالتجارة والاستثمارات الأجنبية المباشرة تأتي مصر في الترتيب 158 على مستوى العالم. وفي العولمة الاجتماعية والتي تعني بالحركة السياحية وتدفقات الهجرة ومستوى استخدام تكنولوجيا الاتصالات والإنترنت، تأتي مصر في الترتيب 124 على مستوى العالم.
والتكيف مع هذا الوضع يتطلب إتقان قوة العمل في الدولة اللغات الأجنبية لتسهيل أعمال المستثمرين والسائحين الأجانب، ولذا كان هذا عاملًا دافعًا للتنوع اللغوي الموجود في النظم التعليمية في مصر، والذي يساهم في تخريج عدد لا بأس به ممن يتقنون اللغات الأجنبية مثل الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية ومؤخرًا الصينية، وهو ما يعد ميزة تتفرد بها مصر عن كثير من الدول المجاورة التي نادرًا ما يتقن فيها الشعب لغات متعددة أو يمتلك نظم تعليم متنوعة تضمن وجود قوة عمل بمهارات لغوية عالية.
المشكلة في علاقة اللغة بالهوية المصرية تكمن في أنه صاحب انتشار هذه اللغات الأجنبية في نظم التعليم خاصة بين أبناء جيل زد الذين ولدوا خلال الفترة 1997-2012، وأبناء جيل ألفا الذين ولدوا خلال الفترة 2013-2025 انتشار الهويات الأجنبية المرتبطة بها والثقافات التي تعبر عنها، وما ينتج عن ذلك من تغير تفضيلات الأغاني والأفلام والكتب، وبالتالي ما يتشكل من عادات سلوكية وأنماط تفكير وقيم ترتبط بتلك اللغات، أكثر من ارتباطها باللغة العربية واللهجة المصرية التي يتراجع في كثير من السياقات استخدامها كلغة للتواصل بين هذه القطاعات الشابة في المجتمع المصري.
وتزداد هذه المشكلة عمقًا مع تنامي استهلاك هذه الفئات لمنصات التواصل الاجتماعي والتي تسمح بزيادة تفاعلهم مع سرديات بديلة وثقافات أجنبية بكل ما تحمله من قيم قد يكون بعضها متعارضًا مع القيم المكونة للهوية المصرية ومن ذلك ما يتعلق بحب الوطن واحترام الأسرة واحترام المرأة وتقديرها وغيرها.
والنتيجة المترتبة على ذلك، أن أبناء جيل زد وجيل ألفا قد يكونون عرضة أكثر من غيرهم لصراع مستمر بين القيم الموجودة في المجتمع والتي قد يكونون على علم بها ولا يتفاعلون معها كثيرًا، وبين القيم التي يتفاعلون معها بشكل متواصل على منصات التواصل الاجتماعي والتي ترتبط باللغات الأجنبية التي أصبحوا يتقنونها وبالثقافة المرتبطة بها.
كما يترتب على ذلك تذبذب مستوى الاهتمام بقضايا الوطن، وتراجع الولاء للدولة، وتنامي الرغبة في الهجرة للخارج بعد التخرج من الجامعة بحثًا عن حياة بديلة ترتبط باللغات التي يتقنونها والقيم المصاحبة لها.
المطلوب إذًا في هذه المرحلة هو تبني سياسات عامة تحقق التوازن بين تعلم اللغات الأجنبية وإتقانها، وبين تعلم اللغة العربية والحفاظ على إجادة الأجيال الشابة لها وما يرتبط بها من قيم وثقافة وهوية وطنية. ويمكن هنا اقتراح سياستين تعنى بهما وزارتا الثقافة والتعليم بشكل رئيسي. السياسة الأولى هي تبني مبادرات تعمل على ضمان إتقان النشء منذ مرحلة التعليم الأساسي للغة العربية بصرف النظر عن نظام التعليم المعتمد في المدرسة المسجلين فيها، وما يرتبط بها من قيم وتراث حضاري.
وتقترح السياسة الثانية استحداث نظام امتحان إتقان اللغة العربية للطالب حتى ينتقل للمرحلة الدراسية الأعلى على مستوى الجمهورية، ويمكن هنا الاستفادة من تجربة امتحان التويفل الخاص بإتقان اللغة الإنجليزية الذي أصبح إلزاميًا في كثير من برامج الدراسات العليا في الجامعة المصرية الحكومية، والذي يعد مثالًا لكيفية فرض إلزامية إتقان اللغة.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع


