حمل حديث مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، في حواره الأخير مع شبكة سي إن إن الاقتصادية، تصورًا لطريقة عمل الاقتصاد خلال السنوات المقبلة، وبقدرته على ما وصفه بـ”توليد الدولار” من الإنتاج والتصدير والسياحة والتكنولوجيا والاستثمار والخدمات.
وقال رئيس الوزراء إن مصر باتت على أعتاب مرحلة جديدة من الإصلاح الاقتصادي، بدأت نتائجها في الظهور والانعكاس على أرقام الاقتصاد، مشيرًا إلى أن المؤسسات الدولية تشيد حاليًا بهذه المؤشرات.
ووضح مدبولي في الحوار مجموعة من المؤشرات والمستهدفات التي تكشف هذا التحول، من نمو الاقتصاد إلى 5.1% خلال العام المالي 2025/2026، واستهداف 5.4% خلال العام المالي الحالي، وصولًا إلى معدلات نمو تقترب من 6.8% و7% بحلول 2030، مع إعطاء وزن أكبر للصناعة والاتصالات والسياحة والزراعة والاستثمار الخاص.
كانت وزارة التخطيط قالت في وقت سايق إن نمو 2025/2026 جاء بالفعل مدفوعًا بالقطاعات الإنتاجية، فيما ساهمت الصناعة والاتصالات والتجارة مجتمعة بنحو 48% من النمو المحقق.
ليس قرض إنقاذ تقليديًا.. كيف يحل صندوق المليار جنيه أزمة المصانع المتعثرة؟
السؤال لم يعد “الدولار بكام؟”
جوهر التحول في كلام مدبولي أن سعر الصرف لم يعد، من وجهة نظر الحكومة، الهدف النهائي للسياسة الاقتصادية، فالهدف الأوسع هو زيادة قدرة الاقتصاد على توليد موارد النقد الأجنبي بما يسمح للسعر بالتحرك وفق آليات السوق دون العودة إلى اختناقات العملة الأجنبية.
وتظهر بيانات البنك المركزي جانبًا من هذه المعادلة، إذ ارتفع صافي الاحتياطيات الدولية إلى 57.2145 مليار دولار بنهاية أغسطس 2026، مقابل 55.0723 مليار دولار بنهاية يونيو، بزيادة أكثر من ملياري دولار خلال شهرين.
وكانت أبرز المصادر هي تحويلات المصريين بالخارج، التي سجلت 47.3 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026، بزيادة 29.6% عن 36.5 مليار دولار في العام المالي السابق، وفق البنك المركزي، كما بلغت التحويلات خلال يناير/يوليو 2026 نحو 29.7 مليار دولار بزيادة 28.1%، وسجل يوليو وحده نحو 4.5 مليار دولار.
وهنا يضيف مدبولي بُعدًا آخر للمعادلة، فهو لا يريد من المصريين بالخارج تحويل الأموال فقط، وإنما يرى أن توجيه جزء من مدخراتهم إلى استثمارات إنتاجية داخل مصر أكثر فائدة للاقتصاد وللمصريين أنفسهم، وبذلك تنتقل التحويلات من كونها مصدرًا للدولار وتمويل الاستهلاك والادخار إلى مصدر محتمل لرأس المال الإنتاجي.
انكماش نشاط القطاع الخاص في مصر خلال سبتمبر بسبب تراجع حاد في الإنتاج والمبيعات
لكن التحويلات لا تكفي
تكشف الأرقام في الوقت نفسه أن الاقتصاد المصري لا يزال يحتاج إلى أكثر من قناة لتوليد العملة الأجنبية، فخلال الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية 2025/2026، ارتفعت إيرادات السياحة إلى 14.4 مليار دولار، كما سجلت إيرادات قناة السويس نحو 3.2 مليار دولار، ما ساعد على رفع فائض الخدمات إلى 12.9 مليار دولار.
وفي المقابل، ظل الحساب الجاري يسجل عجزًا بلغ 14.6 مليار دولار خلال الفترة نفسها، بينما ارتفع العجز التجاري إلى 47.8 مليار دولار، مع زيادة الواردات غير البترولية إلى 61.9 مليار دولار مقابل صادرات غير بترولية بلغت 27.3 مليار دولار خلال الفترة نفسها.
الإحصاء: معلم لكل 21 تلميذًا خلال 2025/2026
الصادرات.. ماكينة دولار تريد الحكومة تصنيعها
تأتي الصناعة في قلب النموذج الجديد الذي تحدث عنه مدبولي، فالصادرات غير البترولية بلغت 48.567 مليار دولار خلال 2025، مقابل 41.507 مليار دولار في 2024، بنمو 17%، وفق بيانات وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية.
وفي النصف الأول من 2026 بلغت الصادرات غير البترولية نحو 25.5 مليار دولار، بزيادة 3%، بينما بلغت الصادرات باستبعاد الذهب 23.3 مليار دولار بزيادة 12%، ويستهدف الاقتصاد المصري الوصول بالصادرات غير البترولية إلى 100 مليار دولار بحلول 2030، وهو مستهدف تؤكده الاستراتيجية الصناعية الوطنية 2026-2030.
ويكشف الرقم حجم التحدي، فالانتقال من نحو 48.6 مليار دولار في 2025 إلى 100 مليار دولار يعني أكثر من مضاعفة الصادرات خلال خمس سنوات تقريبًا، وبلغت الصادرات غير البترولية 25.5 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026، ووصلت الواردات السلعية غير البترولية إلى 48.1 مليار دولار، وبلغ العجز التجاري غير البترولي باستبعاد الذهب نحو 20.8 مليار دولار.
وهكذا، لن ينجح “اقتصاد توليد الدولار” بمجرد زيادة الصادرات، وإنما يحتاج رفع القيمة المضافة المحلية وتقليل المكون المستورد في الإنتاج التصديري، وهنا تصبح إشارة مدبولي إلى الصناعة مختلفة عن الخطاب التقليدي حول زيادة الناتج المحلي.
تقول وزارة التخطيط إن الصناعات التحويلية غير البترولية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات كانتا من أبرز محركات التعافي، بينما تستهدف الخطة أن تسهم الصناعات التحويلية وحدها بنحو 29% من النمو الاقتصادي المستهدف في 2026/2027.
وتستهدف الإستراتيجية الصناعية الوطنية 2026-2030 توجيه التصنيع نحو قطاعات ذات قدرة تصديرية، وتشمل سبع صناعات ذات أولوية، من بينها الملابس الجاهزة والمنسوجات والصناعات الغذائية والأدوية والسيارات والمعدات الكهربائية والهندسية والإلكترونيات.
وهنا يمكن قراءة كلام مدبولي عن السيارات ومراكز البيانات وسلاسل الإمداد باعتباره محاولة لنقل الاقتصاد من إنتاج السلع للسوق المحلية فقط إلى إنتاج سلع وخدمات يمكن بيعها للخارج وتوليد عملة أجنبية.
212 ألف وحدة سكنية تنفذها مصر باستثمارات 245 مليار جنيه خلال 2024/2025
التكنولوجيا.. الدولار القادم
يشير مدبولي إلى عدم حصر توليد النقد الأجنبي في المصانع، فقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات يستهدف، وفق خطة 2025/2026، صادرات رقمية سنوية بقيمة 8.5 مليار دولار، منها نحو 6 مليارات دولار صادرات تعهيد، ما يعني أن الاقتصاد يستطيع توليد الدولار من تصدير خدمة يقدمها شاب أو مهندس أو شركة مصرية لعميل في الخارج دون شحن حاوية واحدة من ميناء مصري.
وتظهر أهمية ما قاله مدبولي عن شركات التعهيد ومراكز الاتصال الدولية، إذ تحدث عن شركات توظف آلاف المصريين وتخطط لمضاعفة أعداد العاملين لديها خلال السنوات المقبلة.
وخلال يوليو/مارس من السنة المالية 2025/2026 ارتفعت الإيرادات السياحية إلى 14.4 مليار دولار، مقابل 12.5 مليار دولار في الفترة المقابلة، بنمو 14.9%، وفق بيانات البنك المركزي.
وفي حواره، تحدث مدبولي عن تجاوز عدد السائحين 19 مليونًا وإيرادات سياحية تجاوزت 18 مليار دولار، مع استهداف الوصول إلى 30 مليون سائح وأكثر من 28 مليار دولار إيرادات بحلول 2030.
وقال مدبولي إن قناة السويس كانت تحقق نحو 10 مليارات دولار سنويًا قبل اضطرابات البحر الأحمر، قبل أن تهبط الإيرادات إلى نحو 3.3 مليار دولار، بما يعني فقدان أكثر من 6 مليارات دولار من مورد واحد نتيجة صدمة جيوسياسية.
وتظهر بيانات البنك المركزي أن إيرادات القناة خلال يوليو/مارس 2025/2026 ارتفعت إلى 3.2 مليار دولار مقابل 2.6 مليار دولار في الفترة المقابلة، بزيادة 22.1%، لكنها ظلت مصدرًا أكثر تعرضًا للصدمات من مصادر أخرى مثل التحويلات.
حديث مدبولي لا يعني حسم مشكلة توليد الدولار، فالعجز التجاري بلغ 47.8 مليار دولار خلال الفترة نفسها، والاستثمار الأجنبي لا يزال يتأثر بالصفقات الاستثنائية، بينما تظل قناة السويس والسياحة معرضتين للصدمات الجيوسياسية.


