قبل أن يعرف الإنسان سبب اختفاء الشمس في وضح النهار، كانت لحظات الكسوف تحمل معنى مختلفا تماما، فحين يتحول النهار فجأة إلى ظلام، كان من الطبيعي أن تثير الظاهرة الخوف والدهشة، خصوصا في المجتمعات القديمة التي لم تكن تمتلك تفسيرا علميا لحركة الأجرام السماوية.
ولهذا ارتبط الكسوف عبر التاريخ بالأساطير والمعتقدات الدينية، واعتبرته بعض الحضارات رسالة من الآلهة أو علامة تنذر بوقوع أحداث خطيرة، ومع تطور علم الفلك، تغيرت هذه النظرة تدريجيا، وتحولت الظاهرة من لغز مخيف إلى حدث يمكن التنبؤ بموعده ومساره بدقة، بحسب مجلة Smithsonian .
الشمس تختفي.. والناس يبحثون عن تفسير
كان للشمس مكانة مركزية في معتقدات الكثير من الحضارات القديمة، لذلك فإن اختفاء ضوئها بصورة مفاجئة كان ينظر إليه باعتباره حدثا استثنائيا.
وفي الصين القديمة، انتشرت أسطورة تتحدث عن تنين يهاجم الشمس ويحاول ابتلاعها، وكان الناس يضربون الطبول ويطلقون الأصوات المرتفعة في محاولة لإخافة الكائن الأسطوري وإعادة الشمس إلى السماء.
أما لدى الإنكا في أمريكا الجنوبية، فكان الكسوف مرتبطا بغضب إله الشمس “بحسب معتقداتهم”، ولذلك سعى القادة إلى استرضائه عندما تحدث الظاهرة، باعتبارها علامة على عدم رضاه.
هل سجل القدماء ظاهرة الكسوف؟
تظل معرفة ما شاهده الإنسان القديم من كسوف مهمة صعبة بالنسبة للباحثين، خصوصا في الفترات التي سبقت انتشار الكتابة، فقد تكون بعض الرسومات والنقوش القديمة مرتبطة بأحداث فلكية، لكن تفسيرها ليس دائما مؤكدا.
ومن الأمثلة التي أثارت اهتمام الباحثين النقوش الصخرية الموجودة في منطقة تشاكو كانيون بولاية نيو مكسيكو الأمريكية، ويرى بعض الباحثين أن أحد الأشكال الدائرية المنقوشة على الصخور ربما يمثل كسوفا كليا للشمس وقع عام 1097 ميلادية.
هل أثرت الظواهر السماوية على الهجرة؟
تزامنت مجموعة من الأحداث الفلكية مع بداية تحركات سكانية واسعة في المنطقة، إذ غادر أفراد من شعب الأناسازي مستوطناتهم.
ويرجح المؤرخون أن الظروف المناخية والجفاف كانا من الأسباب الرئيسية وراء هذه الهجرة، إلا أن بعض الباحثين يرى أن الظواهر السماوية غير المعتادة ربما كان لها تأثير نفسي وثقافي في السكان، وربما عززت لديهم الاعتقاد بأن المكان يمر بمرحلة غير طبيعية.
ومع ذلك، لا توجد أدلة حاسمة تسمح بالقول إن الكسوفات أو المذنبات كانت سببا مباشرا في تلك الهجرات، كما أن تفسير النقوش الصخرية نفسها لا يزال محل نقاش.
لوح طيني قديم يوثق كسوفا
ومن بين أقدم السجلات التي يحتمل أنها توثق كسوفا شمسيا محددا لوح طيني عثر عليه في مدينة أوجاريت القديمة على الساحل السوري.
ويعتقد أن اللوح يتضمن إشارة إلى كسوف وقع في 5 مارس عام 1223 قبل الميلاد، بينما تعود بعض السجلات الصينية المتعلقة بالكسوفات إلى فترة زمنية مقاربة.
من الأسطورة إلى التفسير العلمي
وبدأت النظرة إلى الكسوف تتغير بصورة واضحة في اليونان القديمة، عندما حاول الفلاسفة تفسير الظواهر الطبيعية بعيدا عن التفسيرات الأسطورية.
وينسب إلى الفيلسوف أناكساجوراس، الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، أحد التفسيرات المبكرة التي ربطت الكسوف بالظلال، ووفق هذا التصور، يحدث كسوف الشمس عندما يمر القمر بين الشمس والأرض فيحجب ضوء الشمس عن مناطق معينة من سطح الأرض، بينما يحدث خسوف القمر عندما يقع القمر في ظل الأرض.
قصة طاليس والكسوف الذي أوقف الحرب
ومن أشهر القصص المرتبطة بتاريخ الكسوف رواية الفيلسوف اليوناني طاليس الملطي، الذي يقال إنه تنبأ بكسوف وقع عام 585 قبل الميلاد خلال الحرب بين الليديين والميديين.
وبحسب رواية المؤرخ هيرودوت، تسبب ظهور الكسوف في توقف القتال، ودفع الطرفين إلى إنهاء الحرب وإبرام السلام.
لكن هذه الرواية لا تخلو من علامات استفهام، فقد كتب هيرودوت عنها بعد الحدث بفترة طويلة، كما يناقش المؤرخون مدى قدرة طاليس في ذلك العصر على تحديد الموعد والمكان الدقيقين للكسوف، لذلك، يرى بعض الباحثين أن التنبؤ ربما كان عاما، ثم أضيفت إليه تفاصيل أكثر دقة مع مرور الوقت.
الكسوف في خدمة العلم الحديث
لم يعد الكسوف في العصر الحديث مجرد ظاهرة تستحق المشاهدة، بل أصبح أيضا وسيلة مهمة لإجراء تجارب علمية.
وفي عام 1919، استفاد العلماء من مراقبة كسوف شمسي لاختبار أحد التنبؤات الرئيسية لنظرية ألبرت أينشتاين في النسبية العامة، والمتعلق بانحراف الضوء عند مروره بالقرب من الأجرام ذات الكتلة الكبيرة.
وأصبحت النتائج التي حصل عليها العلماء خلال ذلك الكسوف من أشهر المحطات في تاريخ الفيزياء الحديثة، وساهمت في زيادة الاهتمام العالمي بنظرية أينشتاين.
من الخوف إلى الحساب الدقيق
واليوم، أصبحت ظاهرة الكسوف مفهومة بصورة كاملة تقريبا من الناحية الفلكية، ويستطيع العلماء تحديد مواعيد الكسوف ومساراته، وحساب المناطق التي سيظهر فيها الكسوف الكلي، بل وتحديد لحظات بداية الظاهرة وذروتها ونهايتها.
ورغم هذا التقدم العلمي الهائل، لا تزال مشاهدة الكسوف تجربة استثنائية بالنسبة للإنسان، فحتى مع معرفة السبب الحقيقي وراء اختفاء الشمس، يظل تحول النهار إلى ظلام خلال دقائق مشهدا يثير الدهشة.
اقرأ أيضًا:

