اتسعت رقعة الاحتجاجات في إسبانيا وفرنسا، مع خروج آلاف المتظاهرين إلى الشوارع في البلدين احتجاجا على “أزمات داخلية تمس الحياة اليومية”، من ارتفاع تكاليف السكن والإيجارات في إسبانيا إلى تراجع أوضاع التعليم ونقص الموارد في فرنسا، بينما شهدت بعض التحركات أعمال عنف واشتباكات مع الشرطة وإغلاقا لعدد من المؤسسات التعليمية.
إسبانيا.. أزمة السكن تُشعل الشوارع
وفي التفاصيل، شهدت مدن إسبانية عدة، أمس السبت، موجة احتجاجات واسعة طالبت بـ”توفير حماية أكبر للمستأجرين والتدخل للحد من ارتفاع الإيجارات”، وذلك بعد إخفاق الحكومة الائتلافية بقيادة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، في تمرير حزمة تشريعات “طارئة” للإسكان داخل البرلمان.
وانطلقت نحو 50 مسيرة احتجاجية في مُدن من بينها “مدريد وفالنسيا وبرشلونة”، وسط مطالب بخفض الإيجارات، ووقف عمليات إخلاء المستأجرين، وتشديد القيود على صناديق الاستثمار العقاري التي تصفها الحكومة بـ”الصناديق الانتهازية”.
وقال متحدث باسم اتحاد المستأجرين في فالنسيا، لشبكة “بي بي سي”، عقب بدء إحدى المسيرات في المدينة، إن “هناك غضبا كبيرا في الشوارع”، في وقت تحوّلت فيه الاحتجاجات إلى اشتباكات بين بعض المشاركين وقوات الشرطة.
وأظهرت صور من فالنسيا متظاهرين يشتبكون مع أفراد الشرطة بالقُرب من مركز الفنون “بالاو دي ليس آرتس رينا صوفيا”، الذي كان يستضيف قمة عقارية.
وأفادت وسائل إعلام إسبانية، بأن “مُحتجين أزالوا حواجز أمنية ورشقوا الشرطة، التي ردت باستخدام الرصاص المطاطي”.
وقالت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإسبانية العامة “أر تي في إي”، إن 9 من أفراد الشرطة أُصيبوا خلال المواجهات، فيما ألقت السلطات القبض على شخص واحد.
إخلاء امرأة مُسنة يُفجّر الغضب
تزامنت الاحتجاجات مع تصاعد “الغضب الشعبي” بعد إخلاء ماريكارمن أباسكال، البالغة من العمر 87 عاما، من منزلها في سبتمبر الماضي، إثر عجزها عن تحمل الزيادة الحادة في قيمة الإيجار.
وأثار إخلاؤها موجة احتجاجات في أنحاء إسبانيا، تحوّلت خلالها أزمة السكن إلى “قضية رئيسية في الشارع”، خصوصا مع مطالبة المحتجين بـ”خفض الإيجارات ووضع حد لعمليات الإخلاء والحد من سيطرة صناديق الاستثمار على سوق العقارات”.
وبعد تصاعد ردود الفعل، دخلت شركة “إورباجست”، المالكة للشقة التي كانت تُقيم فيها أباسكال، في مفاوضات انتهت بالسماح لها بالعودة إلى منزلها مقابل إيجار منخفض، لكن هذه الخطوة “لم تُوقف الاحتجاجات” التي استمرت بسبب اتساع أزمة السكن، بحسب “بي بي سي”.
احتجاجات ضخمة في مدريد
في غضون ذلك، شهدت العاصمة “مدريد” واحدة من أكبر المسيرات، فيما تفاوتت التقديرات بشأن أعداد المشاركين بصورة كبيرة، إذ قدّر اتحاد المستأجرين في مدريد عدد المحتجين بنحو 500 ألف شخص، بينما أفادت تقديرات رسمية بأن العدد اقترب من 70 ألفا.
ويُواصل متظاهرون منذ أيام اعتصامهم في ساحة “بويرتا ديل سول”، إحدى أشهر ساحات العاصمة مدريد، في إطار الضغط على الحكومة لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة لمعالجة أزمة الإيجارات.
وقال متظاهر يُدعى “ديفيد”، لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإسبانية، قبيل بدء المسيرة إن المشاركين لم يخرجوا من أجل الترفيه أو الراحة، وإنما لأنهم “يُؤمنون بضرورة التحرك لمعالجة أزمة السكن”.
ومن بين المشاركين ماركوس ساينز، وهو أمين مكتبة يبلغ 26 عاما، قال لـ “فرانس برس”، إنه يعيش مع أصدقاء في شقة من غرفتي نوم ويدفعون معا 900 يورو شهريا، بينما أصبح إيجار شقة من غرفة نوم واحدة يصل في كثير من الأحيان إلى نحو ألف يورو.
وقال ساينز، إنه سيُواصل الاحتجاج على ارتفاع الإيجارات “حتى يجرؤ أحد على تنظيم الأمر برمته”، محذّرا من أن استمرار الوضع الحالي قد يدفع السكان إلى “مغادرة مدريد”.
ومن جانبه، قال اتحاد المستأجرين في مدريد، للهيئة الإسبانية، إن الإجراءات التي اقترحتها الحكومة “لا ترقى إلى مستوى الأزمة”، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن إسقاط التشريعات المقترحة داخل البرلمان “يُفاقم أزمة الإسكان التي تكلف الطبقة العاملة حياتها”.
ودعا الاتحاد، إلى “تنظيم إضراب عام احتجاجا على أزمة السكن المتفاقمة”.
تشريعان يفشلان في البرلمان
كانت حكومة سانشيز، قد طرحت أمام البرلمان، يوم الجمعة الماضي، حزمة إسكان “طارئة” جرى تقسيمها إلى مرسومين منفصلين، في محاولة لاحتواء “الغضب المتزايد” بشأن أزمة السكن.
وتضمن المرسوم الأول تعليق عمليات إخلاء المستأجرين “الأكثر عُرضة للخطر” حتى عام 2030، وتمديد عقود الإيجار التي تنتهي قبل عام 2028 لمدة عامين، إلى جانب رفع الضرائب على الشقق المُخصصة للسياحة وفرض قيود على شراء العقارات السكنية من جانب ما يُعرف بـ”الصناديق الانتهازية”.
أما المرسوم الثاني فتضمن “التجديد التلقائي لعقود الإيجار”، وهو أحد المطالب “الرئيسية” لقطاعات يسارية واتحاد المستأجرين.
لكن النواب رفضوا المرسوم الأول بأغلبية 178 صوتا مقابل 172، بينما سقط المرسوم الثاني بأغلبية 184 صوتا مقابل 166، وفق “بي بي سي”.
وكان حزب الشعب المحافظ وحزب فوكس اليميني المتطرف قد أعلنا مسبقا معارضتهما للمبادرتين، ما جعل الحكومة الأقلية بحاجة إلى “دعم أحزاب قومية أصغر في كتالونيا وإقليم الباسك لتمرير التشريعات”.
وقبل الجلسة البرلمانية بيوم واحد، أعلن حزب “معا من أجل كتالونيا”، المنتمي إلى اليمين المعتدل والمؤيد لاستقلال الإقليم، “معارضته للمرسومين”، وهو ما جعل تمريرهما “شبه مستحيل”.
وأعد الائتلاف الحاكم بقيادة سانشيز التشريعين على نحو “عاجل”، في محاولة لتهدئة الاحتجاجات التي تصاعدت عقب إخلاء أباسكال، إلا أن فشل الحكومة في تمريرهما زاد من الضغوط السياسية عليها.
وتأتي الهزيمة البرلمانية في وقت لا تتمتع فيه “الحكومة الائتلافية”، التي تضم الحزب الاشتراكي الحاكم وشريكه الأصغر تحالف سومار، بأغلبية في البرلمان، ما يُعزز التكهنات بشأن احتمال اللجوء إلى انتخابات عامة مبكرة، رغم أن موعد الانتخابات المقبلة يفترض أن يكون في الصيف المقبل.
أزمة سكن تتسع
تكشف بيانات رسمية واقتصادية حجم الضغوط التي يُواجهها “سوق الإسكان الإسباني”، إذ يُقدر بنك إسبانيا أن البلاد تُعاني نقصا بنحو 700 ألف منزل، استنادا إلى “الفجوة بين الطلب وحجم البناء الجديد”.
وارتفعت أسعار المنازل بنسبة 12.2% خلال العام الماضي، وفق بيانات الربع الثاني من عام 2026 الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء “آي إن إي”.
وفي سوق الإيجارات، ارتفعت التكاليف بنسبة 8.5% خلال عام 2025، وفق شركة “إيديليستا” العقارية، بينما سجلت مدريد وحدها زيادة بلغت 9.7%.
وقالت الشركة، إن “مدريد وبرشلونة هما أغلى مدينتين في إسبانيا من حيث إيجارات المنازل”، بمتوسط يبلغ 22.70 يورو للمتر المربع في مدريد و23.80 يورو للمتر المربع في برشلونة، وفق “بي بي سي”.
Tens of thousands protested across Spain after parliament rejected housing measures to ban evictions, freeze rents and regulate short-term rentals https://t.co/KrqaBzLJjv https://t.co/12SfrpUbNL
— Reuters (@Reuters) October 3, 2026
فرنسا.. احتجاجات طلابية وحرائق في المدارس
على الجانب الآخر من الحدود، تصاعدت الاحتجاجات في فرنسا على خلفية “أوضاع التعليم”، حيث أقدم طلاب على إغلاق مؤسسات تعليمية في أنحاء مختلفة من البلاد، احتجاجا على “نقص التمويل وتراجع ظروف الدراسة”، بينما شهدت بعض المدن أعمال تخريب وحرائق استهدفت مدارس.
وأُبلغ عن اندلاع حرائق في مدرستين ثانويتين بمدينة “نانت” غربي فرنسا، فيما وثقّت مشاهد أخرى حريقا التهم مدخل مدرسة في مدينة “روان” شمال البلاد.
ويُطالب الطلاب بـ”زيادة أعداد المعلمين والموظفين، وتقليل كثافة الفصول، وتحسين حالة المباني المدرسية”، في وقت انضم فيه طلاب جامعات إلى الاحتجاجات، يوم الخميس الماضي، للمطالبة بالمطالب نفسها.
وأعلنت وزارة الداخلية الفرنسية، اعتقال 1949 شخصا خلال احتجاجات الخميس، فيما أُصيب 305 من أفراد الشرطة.
وعقد رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو، اجتماعا “طارئا” لمناقشة التطورات، قبل أن تصف الحكومة الفرنسية لاحقا الاحتجاجات التي يقودها الطلاب بأنها تحولت إلى “عنف حضري”، وفق صحيفة “لو موند” الفرنسية.
حرائق واعتداءات داخل المدارس
في “نانت” الفرنسية، اندلع حريقان بعد إشعال النار في حاوية نفايات، قبل أن تمتد النيران إلى مدرسة “نيلسون مانديلا” الثانوية الواقعة وسط المدينة، ما أدى إلى أضرار في واجهة المبنى ومدخل المدرسة.
وفي مرسيليا جنوبي البلاد، تعرّض موظفو مدرسة “فيكتور هوجو” الثانوية لرش البنزين، بعدما أفادت تقارير إعلامية فرنسية، بأن محتجين ملأوا حاويات بالوقود.
أما في شمال فرنسا، فأُصيب مدير مدرسة “ديغروغيلييه” الثانوية في قرية “أوشيل بأذنه”، بعدما أصابته ألعاب نارية أطلقت بصورة عشوائية.
وكانت عمليات إغلاق المدارس الثانوية والاحتجاجات قد بدأت الأسبوع الماضي، قبل أن تمتد إلى مئات المؤسسات التعليمية في أنحاء فرنسا.
وبحسب وزارة الداخلية الفرنسية، “تأثرت 1027 مدرسة ثانوية بالاحتجاجات حتى الآن، بينما أُقيمت حواجز أمام 222 مدرسة منها، كما تعرّض ما لا يقل عن 30 جامعة للحصار”، من بينها حرم جامعي في رين وباريس.
وامتدت الاضطرابات إلى “قطاع النقل”، إذ توقفت خدمات النقل العام في “مرسيليا وستراسبورغ”، الخميس، بسبب أعمال تخريب وتهديدات بالعنف، إلى جانب إغلاق مسارات أمام المتظاهرين.
وفي ستراسبورغ، شارك “رافائيل”، البالغ 17 عاما، في احتجاجات أمام إحدى المدارس، حيث استخدمت الحواجز لعرقلة حركة عربات الترام في المسارات القريبة.
وقال “رافائيل”، لوكالة الأنباء الفرنسية، إن حالة مرافق مدرسته تعكس حجم الأزمة، مشيرا إلى وجود تسربات في بعض الغرف ونقص في عدد دورات المياه، ومضيفا أن المبنى يتداعى والكافيتريا صغيرة، بينما لا تتوافر ميزانية أو موارد أو عدد كاف من المشرفين.
أزمة التعليم تتحول إلى مواجهة سياسية
مع اتساع الاحتجاجات، اكتسبت التحركات الطلابية في فرنسا “طابعا سياسيا”، رغم أن الانتخابات العامة المقبلة لا تزال على بُعد أشهر، إذ دخلت الحكومة والأحزاب اليمينية في مواجهة مع قوى اليسار بشأن مسؤولية التصعيد.
واتهمت الحكومة وسياسيون من اليمين المُتشدد اليسار المُتشدد بالوقوف وراء إشعال الاحتجاجات التي يُنظمها اتحاد يُمثّل طلاب “المدارس الثانوية”.
وفي المقابل، دافع بالي باجايوكو، عمدة إحدى ضواحي باريس وعضو حزب فرنسا الأبية اليساري الراديكالي، عن تصريحات سابقة قال فيها إن “العنف قد يكون مشروعا في بعض الحالات”، مستشهدا بحالات قال إنه زُعم خلالها إطلاق النار على متظاهرين لم يكونوا يرتدون خوذات أو سترات واقية من الرصاص.
كما أكد جان لوك ميلانشون، زعيم حزب رابطة فرنسا الدولية والمرشح الرئاسي، دعمه للاحتجاجات السلمية، لكنه رفض اختزال أسبابها في “نشاط اليسار”، معتبرا أن تحميل القوى السياسية مسؤولية الاحتجاجات “لا يُعالج المشكلات التي دفعت الطلاب إلى النزول إلى الشوارع”.
وفي المقابل، قالت مارين لوبان، زعيمة حزب التجمع الوطني اليميني المُتشدد، إن ما يحدث لم يعد مجرد احتجاجات لطلاب المدارس الثانوية، بل تحوّل، بحسب وصفها، إلى “أعمال شغب تُنظمها جهات مُحترفة ويُشرف عليها نواب من حزب فرنسا الأبية”، ودعت إلى سن قانون جديد لمكافحة أعمال الشغب.
كما أدان عمدة مرسيليا اليساري بينوا بايان، ما وصفه بـ”أعمال العنف غير المقبولة” في مدينته، مؤكدا أن من حق الشباب أن يشعروا بالقلق بشأن مستقبلهم والخدمات العامة، لكنه شدد على ضرورة التعبير عن المطالب بصورة سلمية.
بدوره، قال إريك سيوتي، عمدة نيس عن حزب “الجمهوريون”، في منشور عبر “إكس”، إنه ينبغي تحميل أولياء أمور الطلاب الذين تُثبت مسؤوليتهم عن إتلاف ممتلكات المدارس تكاليف إصلاح الأضرار.
رياض راني.. من رحم المعاناة إلى واجهة الاحتجاجات الفرنسية
برز الشاب ذو الأصول الجزائرية رياض راني (19 عاما) كأحد أبرز الوجوه القيادية في الحركة الاحتجاجية الطلابية بفرنسا بصفته “رئيسا للاتحاد النقابي لطلاب الثانويات”، مستندا إلى نشأته الصعبة في سكن اجتماعي بمدينة روان ليعكس معاناة الأسر ذات الدخل المحدود والتضخم.
ويقود راني الحراك المطالب بتحسين البيئة التعليمية ومكافحة اكتظاظ الفصول، مما عرّضه لـ”تهديدات بالقتل وإهانات عنصرية” وسط نقاش سياسي واجتماعي واسع حول دور الشباب في الاحتجاجات، وفق صحيفة “لو باريزيان” الفرنسية.
In France, over 400 schools will remain closed on October 5th due to ongoing protests by high school students across the country. In Paris alone, 77 law enforcement officers have been injured as a result of the protesters’ actions. Since the beginning of the week, more than 5,000 people have been arrested nationwide, the majority of whom are minors. The protests by high school students are primarily due to issues in the education system, including a shortage of teachers and overcrowded classrooms.
— 𝕊𝕡𝕣𝕚𝕟𝕥𝕖𝕣 𝕻𝕣𝕖𝕤𝕤 (@SprinterPress) October 4, 2026
وتُعيد الاحتجاجات في إسبانيا وفرنسا تسليط الضوء على “ضغوط اجتماعية مُتزايدة” داخل أوروبا، حيث بات ارتفاع تكاليف السكن وتراجع جودة الخدمات العامة وقلة الموارد عوامل تدفع قطاعات واسعة إلى الشارع، وعلى الرغم من اختلاف المطالب من بلد إلى آخر، تتشابه الرسالة الأساسية: “مطالب بحلول ملموسة لأزمات تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة”.


